مرضي نفسيين في شوارع مصر.. عنوان صادم لملف مؤلم
تكررت خلال الفترة الماضية وقائع صادمة في عدد من الشوارع والمناطق السكنية، كان أبطالها أشخاصًا يشتبه في معاناتهم من اضطرابات نفسية أو عقلية، بعدما تحولت بعض الحالات غير المعالجة إلى مصدر خوف حقيقي للمواطنين، خاصة الأطفال والفتيات وكبار السن.
ورغم أن المرض النفسي في حد ذاته لا يعني الخطورة، ولا يجوز وصم كل مريض نفسي بأنه مؤذٍ أو عنيف، فإن ترك الحالات الحادة دون علاج أو متابعة أو احتواء قد يحولها إلى خطر مفاجئ في الشارع، خصوصًا عندما تظهر عليها نوبات عدوانية أو فقدان للسيطرة.
واقعة فتاة الفلل قرب مدرسة الفتح
آخر الوقائع التي أثارت حالة من الغضب والخوف، ما تردد عن تعرض فتاة في منطقة الفلل، بالقرب من مدرسة الفتح، لموقف شديد القسوة على يد شاب قيل إنه مختل عقليًا.
وبحسب روايات الأهالي، فوجئت الفتاة بتعرضها لهجوم مفاجئ، وظلت تصرخ طلبًا للنجدة، قبل أن تتدخل صديقتها وتتمكن من إنقاذها من الموقف، وسط حالة من الذعر بين الموجودين في المكان.
صراخ الفتاة كشف حجم الخطر
الواقعة، وفق روايات شهود، لم تكن مجرد مشادة عابرة، بل موقفًا مرعبًا عاشته الفتاة في لحظات قاسية، بعدما وجدت نفسها أمام شخص لا يمكن توقع تصرفاته، ولا تعرف هل سيتوقف أم يواصل الاعتداء.
وتحولت صرخات الفتاة إلى جرس إنذار جديد حول ضرورة التعامل الجاد مع الحالات النفسية الخطرة المتروكة في الشوارع دون متابعة أو تدخل.
طفل الحضانة.. واقعة لا تُنسى
ولم تكن واقعة فتاة الفلل هي الأولى، فقد سبقتها واقعة مؤلمة أثارت تعاطفًا واسعًا، بعدما قام شخص يشتبه في معاناته من اضطراب نفسي بحمل طفل أثناء عودته من الحضانة، ثم ألقاه أرضًا، ما تسبب في إصابة الطفل بإصابات خطيرة.
هذه الواقعة تحديدًا كشفت حجم الخطر الذي قد يتعرض له الأطفال في الشوارع، خاصة في أوقات خروجهم من المدارس والحضانات، عندما يكونون أقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم أو فهم ما يحدث حولهم.
الأطفال الحلقة الأضعف
الأطفال هم الفئة الأكثر تعرضًا للخطر في مثل هذه الوقائع، لأنهم لا يمتلكون القدرة على الهرب السريع أو تقدير خطورة الشخص الذي أمامهم، كما أن أي اعتداء مفاجئ عليهم قد يؤدي إلى إصابات بدنية ونفسية كبيرة.

وقائع متكررة تثير سؤالًا مهمًا
تكرار هذه الحوادث يطرح سؤالًا مهمًا: من المسؤول عن متابعة الحالات النفسية والعقلية التي تظهر عليها سلوكيات عدوانية في الشارع؟
هل المسؤولية تقع على الأسرة وحدها؟ أم على الجهات الصحية؟ أم على أجهزة الحماية المجتمعية؟ أم أن الأمر يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من البلاغ المبكر وتنتهي بالعلاج أو الإيداع الآمن للحالات الخطرة؟
المرض النفسي ليس جريمة.. لكن الإهمال خطر
من المهم التأكيد أن المرض النفسي ليس جريمة، وأن ملايين المرضى النفسيين حول العالم يعيشون بشكل طبيعي، ويتلقون العلاج، ويمارسون حياتهم دون إيذاء أحد.
لكن الأزمة تبدأ عندما يتم ترك الحالات الشديدة دون علاج، أو عندما تتخلى الأسرة عن المتابعة، أو عندما لا توجد آلية سريعة للتعامل مع شخص يظهر في الشارع بسلوك عدواني أو غير متزن.
الفارق بين المريض والخطر
ليس كل مريض نفسي خطرًا، لكن الشخص الذي يهاجم الناس، أو يطارد الأطفال، أو يتحرش بالفتيات، أو يتصرف بعنف مفاجئ، يحتاج إلى تدخل فوري يحميه ويحمي المجتمع في الوقت نفسه.
فالتعامل الصحيح لا يعني الانتقام منه أو الاعتداء عليه، بل يعني احتواءه بطريقة آمنة وتسليمه للجهات المختصة لفحص حالته واتخاذ الإجراء المناسب.
الطريقة المثلى للتعامل مع الحالات الخطرة في الشارع
عند مواجهة شخص يبدو في حالة اضطراب شديد أو يتصرف بعنف، يجب عدم التعامل معه بعشوائية، لأن أي استفزاز قد يزيد من خطورته.
أولًا: الابتعاد وعدم الاستفزاز
يجب الابتعاد بهدوء عن الشخص المضطرب، وعدم السخرية منه أو تصويره أو استفزازه بالكلام، لأن ذلك قد يدفعه إلى رد فعل غير متوقع.
ثانيًا: حماية الأطفال والفتيات فورًا
إذا كان هناك أطفال أو فتيات بالقرب من الشخص المضطرب، يجب إبعادهم سريعًا إلى مكان آمن، مثل محل مفتوح أو مدخل عمارة أو وسط تجمع من الأهالي، دون الدخول في مواجهة مباشرة.
ثالثًا: طلب النجدة من الأهالي
في الحالات الخطرة، لا يجب أن يتصرف شخص واحد بمفرده، بل يجب طلب مساعدة الموجودين في المكان لتطويق الموقف وحماية الضحية، مع تجنب الضرب أو العنف العشوائي.
رابعًا: الاتصال بالشرطة أو الإسعاف
عند وجود خطر واضح، يجب الاتصال فورًا بالشرطة أو الإسعاف، وشرح أن هناك شخصًا في حالة اضطراب ويشكل تهديدًا على المارة، مع تحديد المكان بدقة.
خامسًا: عدم تصوير الضحية أو نشر تفاصيلها
في وقائع الاعتداء على الفتيات أو الأطفال، يجب احترام خصوصية الضحايا وعدم نشر صورهم أو أسمائهم أو تفاصيل تمس كرامتهم، لأن ذلك يضاعف الأذى النفسي عليهم.

دور الأسرة في منع الكارثة
تلعب الأسرة دورًا محوريًا في منع تحول بعض الحالات النفسية إلى خطر في الشارع، من خلال متابعة العلاج، وعدم ترك الشخص الذي تظهر عليه نوبات عنف أو هياج يتجول بمفرده دون رقابة.
العلاج والمتابعة مسؤولية لا رفاهية
إذا كان الشخص يعاني من اضطراب حاد، أو لديه تاريخ من الاعتداء أو العنف، فإن إهمال علاجه قد يؤدي إلى كارثة، سواء عليه أو على الآخرين.
لذلك يجب على الأسرة طلب المساعدة الطبية مبكرًا، والالتزام بالعلاج، والتواصل مع الجهات المختصة إذا أصبحت الحالة تمثل خطرًا حقيقيًا.
دور الدولة والجهات المختصة
تحتاج هذه الوقائع إلى تحرك منظم لا يكتفي بالتعامل بعد وقوع الحادث، بل يقوم على الرصد والتدخل المبكر.
ويشمل ذلك توفير آليات واضحة للإبلاغ عن الحالات الخطرة، وزيادة فرق التدخل النفسي والاجتماعي، وتفعيل دور المستشفيات المختصة، مع وضع ضوابط تحمي حقوق المريض وحقوق المجتمع في الوقت نفسه.
حماية المجتمع مع احترام إنسانية المريض
المطلوب ليس مطاردة المرضى النفسيين أو التعامل معهم باعتبارهم مجرمين، بل إنشاء منظومة آمنة تضمن علاج الحالات المحتاجة، واحتواء الحالات الخطرة، وحماية المواطنين من الاعتداءات المفاجئة.
التوعية ضرورة في المدارس والمناطق السكنية
تحتاج المدارس والحضانات والمناطق السكنية إلى حملات توعية بسيطة، تعلم الأطفال كيف يتصرفون إذا تعرضوا لموقف خطر في الشارع، وتعلم الأهالي متى يتدخلون ومتى يبلغون الجهات المختصة.
كما يجب على أولياء الأمور تنبيه الأطفال إلى عدم السير بمفردهم في أماكن خالية، وعدم الاقتراب من أي شخص غريب يتصرف بطريقة غير طبيعية، وطلب المساعدة فورًا من أقرب شخص موثوق أو محل أو حارس عقار.
ملف مجتمعي يحتاج إلى تعامل جاد ومتوازن
حوادث الاعتداء التي يرتكبها أشخاص يشتبه في معاناتهم من اضطرابات عقلية أو نفسية لم تعد مجرد وقائع فردية عابرة، بل ملف مجتمعي يحتاج إلى تعامل جاد ومتوازن.
فبين حماية المواطنين من الخطر، واحترام إنسانية المرضى النفسيين، تبقى المسؤولية مشتركة بين الأسرة والجهات الصحية والأمنية والمجتمع.
وحتى لا تتكرر مأساة فتاة الفلل أو طفل الحضانة أو غيرهما من الضحايا، لا بد من منظومة واضحة للتعامل مع الحالات الخطرة في الشوارع، تبدأ بالبلاغ المبكر، وتنتهي بالعلاج والاحتواء، بدلًا من انتظار الكارثة التالية.


