الثلاثاء، ١٣ يناير ٢٠٢٦ في ١٠:٥٠ ص

الكنز الرقمي الغامض لمادورو.. هل أخفى نظام فنزويلا مليارات الدولارات من البيتكوين بعيدًا عن أعين العالم؟

منذ لحظة إعلان إلقاء القوات الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، انصبّ تركيز وسائل الإعلام العالمية على احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة، باعتبارها الهدف الأوضح لأي صراع اقتصادي أو سياسي مع كاراكاس.
لكن خلف ستار النفط، بدأت تتكشف رواية أكثر غموضًا وإثارة: كنز رقمي سري من عملة البيتكوين، يُعتقد أن نظام مادورو راكمه على مدار سنوات، ليصبح أشبه بأسطورة حديثة في عالم العملات المشفرة.

وكما حفلت قارة أمريكا اللاتينية قديمًا بأساطير مدن الذهب المفقودة، بات الحديث عن خزانة بيتكوين فنزويلية مجهولة الموقع حديث منصات المال والاقتصاد، تحيط به الشكوك، وتطارده الأسئلة، دون دليل قاطع ينهي الجدل.


من النفط إلى البيتكوين

كيف تحوّل الاقتصاد الفنزويلي إلى الظل الرقمي؟

تعاني فنزويلا منذ سنوات من عقوبات دولية قاسية، عزلتها فعليًا عن النظام المالي العالمي، وأخرجتها من منظومة SWIFT للتحويلات البنكية.
هذا العزل جعل إجراء المعاملات المالية التقليدية شبه مستحيل، ودفع نظام مادورو للبحث عن بدائل خارج سيطرة البنوك الغربية.

في هذا السياق، ظهرت العملات الرقمية كحل مثالي:

  • لا تخضع لرقابة مركزية

  • يمكن نقلها عبر الحدود دون وسطاء

  • يصعب تجميدها مقارنة بالأصول التقليدية


تقديرات متضاربة لحجم الكنز

بين ملايين محدودة ومليارات خيالية

تتفاوت التقديرات حول حجم ما يُعرف بـكنز مادورو من البيتكوين بشكل لافت:

  • 22 مليون دولار فقط وفق بيانات موقع Bitcointreasuries.net

  • ما يصل إلى 60 مليار دولار بحسب تقديرات مشروع Brazen البحثي

هذا التناقض الهائل جعل القصة تتجاوز منصات العملات الرقمية، لتصل إلى وسائل إعلام كبرى مثل CNBC، و**بلومبيرغ، وفورتشن**، وسط تساؤلات عن مدى واقعة هذه الأرقام.


تقرير QCP يشعل الأسواق

إشاعة أم حقيقة محرّكة للأسعار؟

نقلت بلومبيرغ تقريرًا صادرًا عن شركة QCP، المتخصصة في تداول مشتقات العملات الرقمية، أشار إلى تداول واسع داخل السوق حول احتمال امتلاك فنزويلا مخزونًا كبيرًا من البيتكوين، يُستخدم كوسيلة للالتفاف على القيود المالية.

التقرير، رغم تحذيره من المبالغة، كان كافيًا لإحداث تحرك ملحوظ في سعر البيتكوين خلال الأسبوع الماضي، ما يعكس حساسية الأسواق لأي إشارة تتعلق بمعروض العملة عالميًا.


تجربة “البترو” الفاشلة

عندما فشل المشروع الرسمي ونجح البديل السري

في عام 2018، حاول نظام مادورو إطلاق عملة رقمية حكومية باسم “البترو”، مدعومة باحتياطيات النفط.
لكن المشروع فشل في اكتساب الثقة الدولية، وأُعلن رسميًا عن إغلاقه بحلول عام 2024.

وبحسب تقارير CNBC، فإن فنزويلا لجأت في الفترة بين 2018 و2020 إلى بيع جزء من احتياطياتها الذهبية واستخدام العائدات لشراء البيتكوين، بعيدًا عن أي أطر رسمية.


النفط مقابل العملات المستقرة

USDT بوابة العبور إلى البيتكوين

بحسب وول ستريت جورنال، بدأت شركة النفط الحكومية الفنزويلية منذ عام 2020 بالمطالبة بالحصول على مدفوعاتها بعملة USDT المرتبطة بالدولار، في محاولة لتجاوز العقوبات.

ويقدّر خبراء أن:

  • نحو 80% من عائدات النفط الفنزويلي باتت تُحصّل بعملات مستقرة

  • يتم لاحقًا تحويل USDT إلى بيتكوين

ويشرح إيلان ستارك، الرئيس التنفيذي لشركة Horizon التابعة لمجموعة ألتشولر شاهام، الآلية قائلًا:

“لقد حوّلوا النفط إلى USDT، ثم إلى بيتكوين، حتى لا يتم تجميد الأموال”.


آلاف المحافظ الرقمية

كنز لا يمكن تعقبه بسهولة

وفق CNBC، يُعتقد أن حيازات فنزويلا من البيتكوين:

  • موزعة على آلاف المحافظ الرقمية

  • تُدار من قبل جنرالات ومسؤولين حكوميين

ورغم أن تقنية البلوك تشين تتيح رؤية المعاملات والأرصدة، فإن هوية مالكي المحافظ تبقى مجهولة، ما يجعل تعقب الكنز مهمة شبه مستحيلة، خصوصًا مع تجنب النظام استخدام أي منصات أمريكية أو غربية.


شكوك الخبراء

هل ابتلعت الفساد المليارات؟

يشكك عدد من خبراء العملات المشفرة في صحة التقديرات المتفائلة.
ويقول ماوريسيو دي بارتولوميو، المؤسس المشارك لشركة Ledn، لمجلة فورتشن، إن الفساد المستشري في عهد مادورو يجعل من الصعب تصديق بقاء هذا الكم الهائل من الثروة دون أن “يتبخر” جزء كبير منه.


تيثر والضغط الأمريكي

لماذا تحوّل النظام إلى البيتكوين؟

تشير وول ستريت جورنال إلى أن شركة تيثر، المُصدرة لعملة USDT، تتعاون حاليًا مع السلطات الأمريكية، وقد جمّدت بالفعل عشرات المحافظ المرتبطة بتجارة النفط الفنزويلية.

هذا الخطر – بحسب ستارك – كان الدافع الأساسي لتحويل العائدات من USDT إلى بيتكوين، باعتباره أكثر صعوبة في المصادرة.


سيناريو الصفقة الكبرى

مفاتيح رقمية مقابل تسوية سياسية؟

يرى مراقبون أن طول أمد محاكمة مادورو قد يفتح الباب أمام صفقة سياسية.
ويقول ستارك إن:

  • هذه الكميات لن تُضخ في السوق فورًا

  • المعروض من البيتكوين محدود أصلًا

  • من المرجح التوصل إلى اتفاق مع إدارة ترامب مقابل تسليم المفاتيح الرقمية

وإذا صحت التقديرات المتفائلة، فإن حيازة فنزويلا قد تمثل نحو 3% من إجمالي معروض البيتكوين عالميًا، ما قد يرفع حصة الولايات المتحدة إلى 4% في حال ضمها إلى الأصول المصادرة سابقًا.


أسطورة أم حقيقة مؤجلة؟

حتى يستقر المشهد السياسي في فنزويلا، ستظل خزانة البيتكوين الغامضة لغزًا بلا إجابة قاطعة.
هل هي كنز حقيقي سيغيّر موازين سوق العملات الرقمية؟
أم مجرد أسطورة ولدت في فراغ العقوبات والسرية؟

إلى أن تتضح الحقيقة، يبقى كنز مادورو الرقمي واحدًا من أكثر الملفات إثارة في عالم المال والسياسة.