الشرق الأوسط على حافة واقع جديد… حين يتفكك الأمن القومي العربي
بقف أالعالم العربي أمام واقع سياسي وأمني جديد يتشكل بسرعة مذهلة، واقع لم يعد فيه التهديد الخارجي وحده هو الخطر الأكبر، بل أصبح تفكك الموقف العربي نفسه أحد أخطر التحديات التي تواجه المنطقة.
لقد أدركت مصر منذ سنوات أن المنطقة تتجه إلى مرحلة معقدة تتداخل فيها الصراعات الدولية مع التنافس الإقليمي، ومع ذلك فإن ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل يعكس حالة من التفكك غير المسبوق في مفهوم الأمن القومي العربي.
ففي الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى قدر أكبر من التنسيق والتفاهم بين الدول العربية لمواجهة التحديات المتصاعدة، نجد أن بعض السياسات الإقليمية سارت في اتجاه معاكس تماماً، لتخلق انقسامات عربية عميقة أضعفت الموقف العربي في لحظة تاريخية حساسة.
انقسامات عربية تعمّق الأزمة
النموذج الأكثر وضوحاً لهذا المشهد يمكن ملاحظته في الحرب اليمنية، حيث برزت الخلافات بين أطراف عربية كان يفترض أن تعمل ضمن رؤية استراتيجية واحدة.
لقد شهدت السنوات الماضية اختلافات واضحة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بشأن إدارة الملف اليمني، وهو اختلاف انعكس على الأرض سياسياً وعسكرياً، وأدى إلى إرباك المشهد الإقليمي.
هذه الخلافات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تباين في وجهات النظر، بل تعكس تراجع مفهوم العمل العربي المشترك في واحدة من أخطر القضايا الأمنية في المنطقة.
السودان… نموذج آخر للاضطراب
أما ما يحدث في السودان فيمثل مثالاً آخر على حجم الاضطراب الذي يمر به الإقليم.
فبينما تؤكد مصر دائماً على ثوابت واضحة لا تتغير، وفي مقدمتها وحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، فإن بعض التحركات الإقليمية اتجهت في مسار مختلف تماماً.
لقد ظهرت خلال الفترة الماضية اتهامات بدعم ميليشيات مسلحة تورطت في جرائم إنسانية خطيرة داخل السودان، وهو أمر يثير تساؤلات كبيرة حول الدوافع الحقيقية لبعض السياسات الإقليمية.
فاستقرار السودان ليس قضية سودانية فقط، بل هو جزء من الأمن القومي العربي والأفريقي، وأي محاولة لإضعاف الدولة السودانية أو تقسيمها لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى في المنطقة.
دولة عربية تتحول إلى أداة في يد الاحتلال
الأكثر خطورة في المشهد الإقليمي هو التحول الذي شهدته سياسات إحدى الدول العربية النفطية الكبرى، التي كانت في وقت من الأوقات ركناً أساسياً في النظام العربي وصاحبة تأثير سياسي واقتصادي كبير.
لكن السياسات التي انتهجتها هذه الدولة في السنوات الأخيرة أدت إلى تحولها تدريجياً من لاعب عربي مؤثر إلى أداة تخدم أجندات خارجية، وعلى رأسها سياسات دولة الاحتلال الإسرائيلي.
لقد أصبح واضحاً أن بعض التحركات السياسية والعسكرية لهذه الدولة لم تعد تخدم المصالح العربية أو حتى مصالحها الوطنية، بل باتت تتقاطع بشكل مباشر مع الأهداف الاستراتيجية لدولة الاحتلال في المنطقة.
وهو أمر يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل التوازنات الإقليمية، ومدى قدرة النظام العربي على استعادة استقلال قراره السياسي.
الحرب مع إيران… نتيجة سياسات خاطئة
ومع اندلاع الحرب الأخيرة مع إيران، ظهرت تداعيات هذه السياسات بشكل واضح.
فإيران لم تكن في حالة عداء مباشر مع تلك الدولة الخليجية في السنوات السابقة، لكن التحولات السياسية التي جعلتها تتحرك كامتداد لسياسات دولة الاحتلال وضعتها في قلب الصراع.
وقد انعكس ذلك في حجم الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفتها، في رسالة واضحة بأن طهران ترى في سياسات هذا النظام جزءاً من المواجهة الإقليمية الدائرة اليوم.
وبغض النظر عن الموقف من إيران أو سياساتها، فإن ما حدث يثبت أن الانخراط في صراعات الآخرين قد يحول الدول إلى ساحات مواجهة بدل أن تكون أطرافاً فاعلة في صناعة التوازن.
خطر يهدد استقرار الشرق الأوسط
إن السياسات التي ينتهجها النظام الحاكم في هذه الدولة لم تعد تمثل خطراً على بلاده فقط، بل أصبحت تهديداً مباشراً لاستقرار الشرق الأوسط بأكمله.
فالتحالفات غير المدروسة، والانخراط في مشاريع سياسية تخدم أطرافاً خارجية، قد يؤدي في النهاية إلى تحويل الدولة نفسها إلى ضحية للصراع.
بل إن المؤشرات الحالية تشير إلى أن هذا النظام قد يصبح أول المتضررين من التصعيد الإقليمي الجاري، خاصة إذا قررت القوى الإقليمية التعامل معه باعتباره جزءاً من المواجهة وليس مجرد طرف محايد.
رسالة قبل فوات الأوان
إن ما يحدث اليوم في المنطقة يجب أن يكون جرس إنذار حقيقياً لكل من يعتقد أن التحالف مع قوى خارجية يمكن أن يوفر الحماية الدائمة.
فالتاريخ السياسي في الشرق الأوسط يثبت أن الدول التي تتخلى عن استقلال قرارها الاستراتيجي غالباً ما تتحول إلى ساحات صراع بدلاً من أن تكون صانعة للقرار.
ولهذا فإن المطلوب اليوم هو مراجعة جادة للسياسات التي قادت المنطقة إلى هذه اللحظة الخطيرة.
مصر وثوابت الأمن العربي
في مقابل هذا المشهد المضطرب، تظل السياسة المصرية ثابتة في موقفها من قضايا المنطقة.
فالقاهرة تؤكد باستمرار على عدة مبادئ أساسية، من أهمها:
-
الحفاظ على وحدة الدول العربية وعدم تفكيكها.
-
دعم مؤسسات الدولة الوطنية في مواجهة الميليشيات.
-
رفض تحويل المنطقة إلى ساحة صراعات بالوكالة.
-
الحفاظ على التوازن الإقليمي بما يمنع انفجار الأوضاع.
وهذه الثوابت ليست مجرد شعارات سياسية، بل تمثل رؤية استراتيجية لحماية استقرار المنطقة في مرحلة شديدة التعقيد.
الشرق الأوسط أمام مفترق طرق
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي.
إما أن تدرك الدول العربية خطورة الانقسام وتعمل على استعادة مفهوم الأمن القومي العربي المشترك، أو تستمر حالة التفكك الحالية التي قد تفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الصراعات وعدم الاستقرار.
إعادة تشكيل لموازين القوى في الشرق الأوسط.
إن ما يحدث في المنطقة ليس مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل هو إعادة تشكيل لموازين القوى في الشرق الأوسط.
ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تعيد بعض الأنظمة حساباتها قبل أن تجد نفسها في مواجهة عاصفة لا يمكن السيطرة عليها.
فالدول التي تتجاهل مخاطر سياساتها قد تكتشف في النهاية أن الثمن الذي ستدفعه سيكون أكبر بكثير مما كانت تتخيله.
والأمل أن تدرك الأنظمة المعنية خطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة، قبل أن تتحول الأخطاء السياسية إلى أزمات يصعب احتواؤها، وتدخل شعوبها في دائرة من الكراهية والصراعات لا تخدم أحداً.


