في مؤتمر صحفي حمل رسائل نارية واتهامات ثقيلة، خرج القيادي المنشق عن قوات الدعم السريع علي رزق الله السافنا من قلب الخرطوم ليكشف ما وصفه بأسرار تُقال لأول مرة عن كواليس المليشيا، وإصابة قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وتصفية قيادات بارزة داخلها، وتحول قرارها إلى أيدي جهات خارجية. تصريحات السافنا لم تكن مجرد إعلان انشقاق عسكري، بل بدت كضربة سياسية ومعنوية في توقيت بالغ الحساسية، خاصة بعدما أعلنت وكالة السودان للأنباء «سونا» انضمامه رسميًا إلى صفوف القوات المسلحة عقب انسلاخه عن الدعم السريع.
من هو علي رزق الله «السافنا»؟
علي رزق الله، المعروف باسم السافنا، هو أحد القادة الميدانيين السابقين في قوات الدعم السريع، قبل أن يعلن انشقاقه عنها ومغادرة صفوفها، في خطوة وصفها بأنها انحياز للشعب والنازحين والمواطنين أكثر من كونها انتقالًا شكليًا من طرف إلى آخر. وكانت قناة الجزيرة قد نشرت تقريرًا عن انشقاقه يوم 11 مايو 2026، مشيرة إلى أنه أعلن مغادرته للدعم السريع بشكل قاطع.
وبعد أيام من إعلان الانشقاق، وصل السافنا إلى الخرطوم وأعلن انضمامه رسميًا إلى الجيش السوداني، مؤكدًا أنه سيقاتل إلى جانب القوات المسلحة والقوات المساندة في كردفان ودارفور وصولًا إلى أم دافوق، وفق ما أوردته وكالة سونا وموقع مداميك.
حميدتي مصاب.. و«القرار لم يعد في يده»
أخطر ما قاله السافنا في مؤتمره الصحفي كان متعلقًا بمصير قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي». فقد أكد، بحسب ما نقلته تقارير صحفية، أن حميدتي أصيب في استهداف سابق أمام القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم، وأنه أصبح «مجردًا من الإرادة الفعلية»، مضيفًا أن قرار الدعم السريع بات بالكامل في يد جهات خارجية.
وقال السافنا في تصريحاته إن حميدتي نفسه، إذا حاول مخالفة الأوامر أو الخروج عن الخط المرسوم له، «سيتم قتله فورًا»، في اتهام مباشر بأن قيادة الدعم السريع لم تعد صاحبة القرار المستقل، وأن هناك قوى خارجية تدير المشهد من خلف الستار. هذه التصريحات، رغم خطورتها، تبقى اتهامات صادرة عن قيادي منشق، ولم تصدر حتى الآن صيغة تحقق مستقلة تؤكد جميع تفاصيلها من طرف محايد.
تصفيات داخلية واغتيال قيادات بارزة
لم يتوقف السافنا عند ملف حميدتي، بل تحدث عن عمليات تصفية ممنهجة قال إنها طالت قيادات رفيعة داخل الدعم السريع لتمرير أجندات محددة. وذكر أسماء قيادات بارزة قال إنها تعرضت للتصفية، بينها جلحة وعبد الله حسين وحامد علي أبو بكر.
وبحسب روايته، فإن القائد المسيري «جلحة» جرت تصفيته بواسطة طائرة مسيرة في منطقة كافوري، بأوامر مباشرة من عبد الرحيم دقلو. هذه الاتهامات، إذا ثبتت، تعني أن الدعم السريع لا يعيش فقط مواجهة مع الجيش السوداني، بل صراعًا داخليًا على النفوذ والولاء ومسارات القرار.

«جهات خارجية» تتحكم في المشهد
تصريحات السافنا بشأن تدخل جهات خارجية في قرار الدعم السريع تمثل أحد أكثر محاور المؤتمر خطورة. فحسب روايته، لم تعد المليشيا تتحرك وفق تقديرات داخلية فقط، بل وفق أجندات مفروضة عليها من الخارج، بما يجعل قرار الحرب والسلام والانسحاب والتصعيد خارج يد قادتها الميدانيين.
هذه النقطة تفتح الباب أمام سؤال أكبر في الأزمة السودانية: هل ما يجري في السودان مجرد حرب داخلية بين الجيش والدعم السريع، أم أن البلاد أصبحت ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، تستخدم فيها المليشيات والقادة والقبائل كأدوات داخل معركة أكبر من حدود الخرطوم ودارفور وكردفان؟
حسبو محمد عبد الرحمن في قلب الاتهامات
وفي حديثه عن هندسة علاقات الدعم السريع الخارجية، سمّى السافنا نائب رئيس الجمهورية الأسبق حسبو محمد عبد الرحمن، واصفًا إياه بأنه المستشار الأول والمنسق الفعلي للدعم السريع، بحسب ما نقلته تقارير عن المؤتمر الصحفي.
ذكر هذا الاسم يعكس أن السافنا يحاول تقديم خريطة سياسية خلف المشهد العسكري، لا مجرد شهادات ميدانية. فهو لا يتحدث عن معارك فقط، بل عن شبكة تنسيق واتصالات وقرارات، يقول إنها لعبت دورًا في توجيه المليشيا وربطها بمصالح خارجية.
معتقل دقريس.. اتهامات صادمة عن آلاف المحتجزين
الجانب الإنساني في تصريحات السافنا كان بالغ القسوة، إذ تحدث عن معتقل دقريس، قائلًا إنه يضم آلاف المدنيين والعسكريين في أوضاع كارثية وخطيرة، متحدثًا عن عمليات تصفية واسعة داخل السجن بحق مواطنين وجنود.
هذه الاتهامات تحتاج إلى تحقيق حقوقي مستقل، لأنها تمس جرائم محتملة ضد المدنيين والمحتجزين، وتفتح ملف المعتقلات السرية والانتهاكات داخل الحرب السودانية. وفي بلد ينهكه النزوح والانقسام، فإن أي حديث عن آلاف المحتجزين والتصفيات لا يمكن أن يمر كتصريح عابر.
رحلة خروج غامضة من الدعم السريع
روى السافنا كذلك تفاصيل خروجه من الدعم السريع، موضحًا أنه غادر عبر الفرقة الرابعة الضعين بموجب أمر تحرك رسمي، ثم توجه إلى جنوب السودان، ومنها إلى الهند، قبل أن يعود إلى الخرطوم. هذه التفاصيل تضيف طبقة جديدة من الغموض حول طريقة خروجه: هل كان انشقاقًا مفاجئًا؟ أم خروجًا تم تحت غطاء إداري قبل إعلان القطيعة؟ وهل تملك قيادات الدعم السريع قدرة حقيقية على الانسحاب، أم أن الانشقاق يحتاج مسارات معقدة للهروب من الرقابة الداخلية؟
من المؤتمر إلى الميدان.. السافنا يعلن القتال
بعد كشفه هذه التفاصيل، أعلن السافنا خطوته المقبلة بوضوح، قائلًا إنه سيذهب بنفسه إلى الميدان في كردفان، وسيقاتل الدعم السريع حتى الوصول إلى منطقة أم دافوق. وهذا الموقف يتطابق مع ما نشرته سونا ومداميك عن إعلانه الانضمام رسميًا إلى القوات المسلحة، وقيادة عمليات قتالية إلى جانب الجيش والقوات المساندة في كردفان ودارفور.
هنا يتحول السافنا من شاهد على كواليس الدعم السريع إلى طرف مباشر في المعركة ضدها. وهذا يجعل تصريحاته ذات قيمة سياسية وإعلامية، لكنه في الوقت نفسه يستدعي التعامل معها بحذر مهني، لأنها صادرة عن خصم جديد للمليشيا بعد انشقاقه عنها.

هل نحن أمام بداية انهيار داخل الدعم السريع؟
انشقاق قيادي ميداني بحجم السافنا، ثم خروجه بمؤتمر صحفي يتحدث فيه عن إصابة حميدتي، وتصفية القادة، وتحكم الخارج، ومعتقلات سرية، ليس حدثًا عاديًا. فهو يقدم رواية تقول إن الدعم السريع تعاني من خلل داخلي عميق، وأن الانقسامات والتصفيات والقرارات الخارجية قد تكون بدأت تأكل بنيتها من الداخل.
لكن السؤال المهم: هل هذه بداية انهيار حقيقي؟ أم أن الدعم السريع لا تزال قادرة على امتصاص الانشقاقات وإعادة ترتيب صفوفها؟ الإجابة ستظهر في ميادين كردفان ودارفور، لا في المؤتمرات وحدها.
شهادة من الداخل أم ورقة حرب نفسية؟
تصريحات علي رزق الله السافنا فتحت بابًا ضخمًا أمام أسئلة لا يمكن تجاهلها: أين حميدتي فعليًا؟ من يقرر داخل الدعم السريع؟ هل حدثت تصفيات داخلية؟ ما حقيقة معتقل دقريس؟ ومن هي الجهات الخارجية التي يتحدث عنها المنشقون؟
لكن في الوقت نفسه، يجب التعامل مع هذه التصريحات كـرواية طرف منشق دخل معسكر الخصومة، لا كأحكام نهائية مكتملة، إلى أن تظهر تحقيقات مستقلة أو وثائق تؤكد التفاصيل. ومع ذلك، فإن مجرد خروج هذه الاتهامات من قائد ميداني سابق داخل الدعم السريع يمنحها وزنًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا.
السودان اليوم لا يعيش حرب بنادق فقط، بل حرب روايات وأسرار وانشقاقات. وما كشفه السافنا قد يكون بداية فصل جديد في انهيار الثقة داخل المليشيا، أو جزءًا من معركة نفسية أوسع. وفي الحالتين، فإن الرسالة وصلت: الدعم السريع لم تعد تبدو كتلة صلبة كما كانت، والخرطوم تستمع الآن إلى شهادات من خرجوا من قلبها.


