الخميس، ٢١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٨ م

الحرس الثوري يوزع «صكوك المرور» في هرمز.. إيران تمسك عنق النفط العالمي بتصاريح العبور

لم يعد عبور مضيق هرمز مجرد رحلة بحرية بين الخليج وبحر عُمان، بل أصبح — وفق الرواية الإيرانية — مسارًا مشروطًا بتنسيق مسبق وتصاريح وممرات تحددها بحرية الحرس الثوري. طهران أعلنت أن 26 سفينة تجارية وناقلة نفط عبرت المضيق خلال 24 ساعة بعد التنسيق معها، بينما تحدث التلفزيون الإيراني عن عبور 5 ناقلات نفط عملاقة بعد الحصول على ترتيبات مسبقة. الرسالة الإيرانية تبدو واضحة: من يريد المرور في هذا الشريان العالمي عليه أن يعترف عمليًا بأن طهران باتت تمسك بمفتاح العبور.

هرمز يتحول إلى بوابة بتصريح

مضيق هرمز ليس ممرًا عاديًا؛ إنه أحد أخطر شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد ومزاج الأسواق العالمية. الجديد أن إيران لم تعد تكتفي بالتهديد أو المناورة البحرية، بل تتحدث الآن عن آلية تنظيمية للمرور، تشمل تصاريح مسبقة ومسارات محددة وتنسيقًا مباشرًا مع قواتها البحرية.

وقالت الجزيرة إن الحرس الثوري الإيراني أعلن تنسيق عبور 26 سفينة خلال 24 ساعة، في وقت تتمسك فيه طهران بأنها ما زالت قادرة على التحكم في حركة المضيق رغم الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.

5 ناقلات عملاقة.. والرسالة أكبر من النفط

بحسب ما نقلته وسائل إعلام عن التلفزيون الإيراني، عبرت 5 ناقلات نفط عملاقة مضيق هرمز بعد التنسيق مع الحرس الثوري. هذه ليست مجرد أرقام ملاحية، بل إعلان سياسي بامتياز: إيران تقول للعالم إن العبور الآمن يمر من بوابتها، وإن السفن التي تلتزم بتعليماتها يمكنها الخروج من عنق الزجاجة.

وفي بيان منفصل، ذكرت بحرية الحرس الثوري أن السفن التي عبرت شملت ناقلات نفط وسفن حاويات وسفنًا تجارية أخرى، وأن المرور تم بعد الحصول على تصاريح والتنسيق مع القوة البحرية التابعة لها.

«أجيوس فانوريوس 1».. ناقلة عراقية في قلب اللعبة

واحدة من أبرز الحالات التي كشفت شكل القواعد الجديدة كانت ناقلة النفط العملاقة Agios Fanourios I، المحملة بالنفط الخام العراقي والمتجهة إلى فيتنام. تقارير بحرية قالت إن الناقلة واصلت رحلتها إلى فيتنام بعد أن كانت محتجزة أو متوقفة لعدة أيام بسبب التعقيدات المرتبطة بالحركة في الخليج وخطوط الحصار.

أما رويترز فوصفت الحالة بأنها مثال على الواقع الجديد في هرمز، حيث أصبحت إيران تشدد قبضتها عبر نقاط تفتيش بحرية وترتيبات دبلوماسية، وفي بعض الحالات عبر رسوم أو ترتيبات مرتبطة بالمرور الآمن، مع منح أفضلية لسفن ترتبط بدول لديها تفاهمات سياسية أو اقتصادية مع طهران.

الصين وكوريا الجنوبية ضمن مشهد العبور

لم تكن الناقلة العراقية وحدها في الصورة. فقد نقلت وول ستريت جورنال، استنادًا إلى بيانات ملاحية، أن 3 ناقلات نفط عملاقة متجهة إلى كوريا الجنوبية والصين عبرت مضيق هرمز بين مساء الثلاثاء وصباح الأربعاء، بينها ناقلتان صينيتان وناقلة كورية جنوبية، وسلكت مسارًا جنوب جزيرة لارك الإيرانية، بما يتوافق مع إرشادات ملاحة أصدرتها إيران في أبريل.

هذا التفصيل مهم جدًا؛ لأنه يكشف أن المسألة لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمصالح دول كبرى تعتمد على نفط الخليج، وتبحث عن أي صيغة مؤقتة تضمن استمرار تدفق الطاقة حتى لو كانت عبر قواعد تفرضها طهران عمليًا.

إيران وعُمان.. محاولة لصناعة غطاء دبلوماسي

في الخلفية، تتحرك طهران دبلوماسيًا لتثبيت هذا الواقع. فقد قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن طهران تعمل مع عُمان على إنشاء آلية لضمان الأمن المستدام في مضيق هرمز، تشمل بروتوكولات لحركة الملاحة الآمنة وربما تعاونًا مع دول ساحلية أخرى.

هذه الخطوة تمنح إيران ورقة مهمة: فهي لا تقدم نفسها كقوة تعطل الملاحة، بل كقوة “تنظمها” وتفرض قواعدها بحجة الأمن. لكن بالنسبة للغرب، تبدو الصورة مختلفة تمامًا: دولة تستخدم موقعها الجغرافي وسلاحها البحري للضغط على التجارة العالمية.

واشنطن تراقب.. والحصار يزيد النار اشتعالًا

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة على خط موازٍ. وكالة أسوشيتد برس ذكرت أن الجيش الأمريكي صعد على متن ناقلة نفط إيرانية في خليج عُمان للاشتباه في محاولتها خرق الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، في واحدة من عدة عمليات تفتيش منذ منتصف أبريل.

هذا يعني أن السفن في المنطقة أصبحت بين مطرقتين: تصاريح وتنسيق مع إيران للمرور من هرمز، ومخاطر تفتيش أو عقوبات أمريكية إذا اعتبرت واشنطن أن السفينة تساعد طهران أو تخرق الحصار.

القانون الدولي في مواجهة الأمر الواقع

المشكلة الكبرى أن مضيق هرمز ممر دولي، والقانون البحري لا يسمح بتحويل المرور الآمن إلى نظام خاضع لإتاوات أو تصاريح سياسية بالشكل الذي قد يقيّد حركة الملاحة. لكن إيران تقدم ما يحدث باعتباره إجراءات أمنية وخدمات تنظيمية، بينما ترى تقارير غربية أن طهران تفرض واقعًا جديدًا يتحدى قواعد الملاحة الدولية.

هنا تصبح الأزمة أكبر من ناقلة نفط أو شحنة خام؛ نحن أمام اختبار: هل يستطيع بلد مطل على ممر عالمي أن يعيد تعريف قواعد المرور بالقوة؟ وإذا حدث ذلك في هرمز، فماذا يمنع تكراره في ممرات بحرية أخرى؟

النفط العالمي تحت رحمة التصاريح

أي اضطراب في هرمز لا يبقى داخل الخليج. الأسعار تتحرك، شركات التأمين ترفع كلفة المخاطر، السفن تنتظر أو تغير مساراتها، والدول المستوردة تبدأ في حساب تكلفة كل يوم تأخير. ومع الحديث عن آلاف السفن العالقة أو المتأثرة بالتوترات في الخليج، يصبح نظام التصاريح الإيراني ليس مجرد تفصيل أمني، بل عاملًا مؤثرًا في سوق الطاقة العالمي.

ولهذا تبدو ناقلات الصين وكوريا والعراق كأنها اختبارات عملية: من ينسق يمر، ومن لا ينسق يبقى تحت الخطر.

عبور هرمز مقابل الولاء

إيران لم تغلق مضيق هرمز بالكامل، لكنها فعلت ما هو أخطر سياسيًا: حولت العبور إلى اختبار ولاء وتنسيق وقبول بقواعدها. إعلان عبور 26 سفينة خلال 24 ساعة ليس خبرًا بحريًا عاديًا، بل رسالة قوة تقول إن الحرس الثوري بات يملك قدرة عملية على فرز السفن، تحديد المسارات، ومنح الضوء الأخضر أو حجبه.

وبين واشنطن التي تفتش وتفرض الحصار، وطهران التي تمنح التصاريح وتفرض الممرات، يجد النفط العالمي نفسه في لحظة غير مسبوقة: برميل الطاقة لا يتحرك فقط بسعر السوق، بل بتوقيع عسكري على بوابة هرمز.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.