في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تُقاس بعدد المتابعين لا بقيمة الإنجاز، عاد الجدل مجددًا حول الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الذوق العام وتوجيه اهتمام الجمهور. فقد تداول مستخدمون منشورًا يقارن بين العالم التركي عزيز سانجار، الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، وبين أحد صناع المحتوى الذين يحصدون ملايين المتابعين بسبب مقاطع ترفيهية سطحية لا تقوم على علم أو معرفة أو قيمة حقيقية.
هذه المقارنة، رغم قسوتها، فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول سؤال أكبر: لماذا يتصدر أصحاب المحتوى الخفيف والمثير قوائم المتابعة، بينما يبقى العلماء والمفكرون وأصحاب الإنجازات في الهامش؟ وهل تكشف هذه الظاهرة عن تراجع الذوق العام، أم عن خلل عميق في طريقة عمل منصات التواصل نفسها؟
عزيز سانجار.. عالم نوبل في مواجهة منطق التريند
يمثل اسم عزيز سانجار نموذجًا لقيمة علمية عالمية حقيقية. فهو عالم تركي بارز، حصل جائزة نوبل في الكيمياء تقديرًا لإسهاماته العلمية المهمة، وأصبح رمزًا للبحث الجاد والإنجاز الأكاديمي الذي يخدم الإنسانية.
لكن المفارقة التي أثارت الجدل أن شخصيات من هذا النوع، رغم تأثيرها الحقيقي في العلم والمعرفة، لا تحظى غالبًا بنفس حجم المتابعة التي يحصل عليها صناع محتوى يعتمدون على الاستعراض أو الحركات الغريبة أو الإثارة السريعة.
وهنا لا تكون المشكلة في شخص بعينه، بل في معيار الشهرة نفسه: هل نتابع من يضيف إلى وعينا شيئًا، أم من يمنحنا لحظة ضحك عابرة ولو بلا قيمة؟
السوشيال ميديا لا تكافئ الأفضل دائمًا
تعتمد منصات التواصل على خوارزميات لا تسأل غالبًا عن القيمة، بل عن التفاعل. ما يثير الضحك أو الغضب أو الدهشة ينتشر بسرعة أكبر مما يثير التفكير أو يدعو إلى التأمل.
ولهذا قد يتفوق مقطع قصير بلا مضمون على محاضرة علمية عميقة، وقد يحصد صاحب أداء هزلي ملايين المشاهدات، بينما يبقى العالم أو الباحث أو الكاتب بعيدًا عن دائرة الضوء.
المشكلة هنا ليست أن الناس يضحكون أو يبحثون عن الترفيه؛ فالترفيه جزء طبيعي من الحياة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الترفيه السطحي هو المعيار الأعلى للشهرة، بينما يُدفع العلم والثقافة والإنجاز الحقيقي إلى الخلف.

لماذا تنتصر التفاهة على العلم؟
هناك عدة أسباب تجعل المحتوى السطحي ينتشر أسرع من المحتوى العلمي أو الثقافي. أولها أن المحتوى السطحي لا يحتاج إلى مجهود لفهمه؛ يكفي أن يشاهده المستخدم لثوانٍ حتى يتفاعل معه. أما المحتوى العلمي فيحتاج إلى تركيز، ووقت، ورغبة في المعرفة.
ثانيًا، المحتوى المثير للجدل أو الغريب يخلق تعليقات ومشاركات بسرعة، حتى لو كانت التعليقات ساخرة أو غاضبة. والمنصات لا تفرّق كثيرًا بين تفاعل إيجابي أو سلبي؛ المهم أن الجمهور يتفاعل.
ثالثًا، صناع المحتوى السطحي يدركون قواعد اللعبة جيدًا: صورة لافتة، حركة غريبة، عنوان مثير، مقطع قصير، وجرعة عالية من الاستفزاز. هذه العناصر تكفي أحيانًا لصناعة “ترند” يتفوق على سنوات من البحث العلمي.
الجمهور شريك في صناعة الظاهرة
رغم أن الخوارزميات تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، فإن الجمهور ليس بريئًا تمامًا. فكل مشاهدة، وتعليق، ومشاركة، وإعادة نشر، تمنح هذا النوع من المحتوى قوة إضافية.
حين يسخر الناس من محتوى تافه ثم يشاركونه، فهم يساهمون في انتشاره. وحين يتجاهلون محتوى علميًا أو ثقافيًا لأنه “ثقيل”، فهم يرسلون رسالة غير مباشرة للمنصات بأن الترفيه السريع أهم من المعرفة.
وهكذا تتحول التفاهة من مجرد ظاهرة هامشية إلى صناعة ضخمة، لها نجومها وجمهورها ومكاسبها، بينما يبقى أصحاب الإنجاز الحقيقي في مساحة ضيقة لا يصل إليها إلا المهتمون بالفعل.
هل يعني ذلك رفض الترفيه؟
ليس المطلوب أن تتحول مواقع التواصل إلى قاعات محاضرات أو منصات أكاديمية جافة. الترفيه ليس عيبًا، والضحك ليس مشكلة، والمحتوى الخفيف له مكانه الطبيعي.
لكن الأزمة تكمن في اختلال الميزان. عندما يصبح من يهزأ بالقيمة أكثر تأثيرًا ممن يصنعها، وعندما يصبح صاحب الحركة الغريبة أشهر من صاحب الاكتشاف العلمي، فإن المجتمع يحتاج إلى وقفة جادة مع نفسه.
المطلوب ليس إلغاء الترفيه، بل إعادة الاعتبار للعلم، والثقافة، والفن الحقيقي، والنجاح القائم على العمل لا على الاستعراض الفارغ.
تأثير الظاهرة على الأجيال الجديدة
الأخطر من مجرد فارق المتابعين هو الرسالة التي تصل إلى الشباب. عندما يرى الطفل أو المراهق أن الشهرة والمال يتحققان من خلال التفاهة، بينما لا يحظى العالم أو المفكر أو الباحث باهتمام كافٍ، فقد تتغير أحلامه ومعاييره.
بدل أن يسأل: كيف أصبح عالمًا أو طبيبًا أو مخترعًا أو كاتبًا؟ قد يسأل: كيف أصبح ترندًا؟
وهنا يتحول الخلل من ظاهرة رقمية إلى أزمة قيم، لأن المجتمع يبدأ في مكافأة الطريق الأسهل لا الطريق الأجدر.
مسؤولية الإعلام والمدارس والأسرة
مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشتائم أو السخرية من الجمهور، بل ببناء وعي بديل. الإعلام مطالب بتقديم العلماء والمبدعين بطريقة جذابة وقريبة من الناس، لا بصيغة جامدة تجعل المعرفة تبدو بعيدة عن الحياة اليومية.
والمدارس والجامعات مطالبة بتعريف الطلاب بنماذج علمية ملهمة، مثل عزيز سانجار وغيره من العلماء الذين غيّروا العالم بالبحث والعمل والصبر.
أما الأسرة، فعليها أن تساعد أبناءها على فهم الفرق بين الشهرة والقيمة، وبين من يلفت الانتباه للحظة ومن يترك أثرًا لسنوات.
كيف نعيد الاعتبار للمحتوى القيّم؟
إعادة الاعتبار للعلم والثقافة تبدأ من عادات بسيطة: متابعة الصفحات العلمية الجادة، مشاركة المحتوى المفيد، دعم صناع المحتوى المحترمين، وعدم منح المحتوى التافه مزيدًا من الانتشار حتى ولو بدافع السخرية.
كما يجب على أصحاب المحتوى العلمي والثقافي أن يدركوا طبيعة العصر، وأن يقدموا المعرفة بأسلوب مشوق، قصير عند الحاجة، بصري، واضح، وقريب من اهتمامات الناس. فالمعركة ليست بين العلم والترفيه فقط، بل بين من يعرف كيف يخاطب الجمهور ومن يترك الساحة فارغة لغيره.
واقع رقمي مضطرب
المقارنة المتداولة بين عالم نوبل وصانع محتوى سطحي ليست مجرد صورة ساخرة، بل مرآة لواقع رقمي مضطرب. إنها تكشف كيف يمكن لمنصات التواصل أن ترفع الأقل قيمة إلى القمة، وتترك أصحاب الإنجاز الحقيقي في الظل، إذا تُركت الخوارزميات وحدها تحدد ما يستحق الظهور.
لكن الحل لا يكون بالبكاء على الذوق العام فقط، بل بتغييره. وما دام الجمهور هو الوقود الحقيقي لأي ترند، فإن الجمهور نفسه يستطيع أن يعيد توجيه الضوء نحو من يستحقه.
ضعف الاهتمام بالمعرفة
ظاهرة صعود التفاهة على مواقع التواصل ليست حادثًا عابرًا، بل نتيجة تراكم طويل من الخوارزميات، وسرعة الاستهلاك، وضعف الاهتمام بالمعرفة، وتحوّل الشهرة إلى هدف مستقل عن القيمة.
ومع ذلك، لا يزال بالإمكان تغيير المشهد. فكل متابعة لمحتوى مفيد، وكل مشاركة لقصة عالم أو مبدع، وكل تجاهل واعٍ لمحتوى فارغ، هو خطوة صغيرة نحو استعادة التوازن. قد لا ينتصر العلم على التريند فورًا، لكنه يبقى الأثر الأبقى، والقيمة التي لا تسقط بانتهاء موجة ضحك عابرة.


