الإمارات في قلب التصعيد.. وأسئلة حول جدوى الحماية الإسرائيلية
عاد ملف التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل إلى الواجهة بقوة. فبعد سنوات من توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، لم يعد التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب مجرد علاقات دبلوماسية أو اقتصادية، بل تطور تدريجيًا إلى شراكة أمنية ودفاعية تقوم على مواجهة تهديدات مشتركة، في مقدمتها الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وتهديدات الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. وتشير تقارير غربية وإسرائيلية إلى أن هذه الشراكة شهدت اختبارًا ميدانيًا حقيقيًا خلال الحرب الأخيرة مع إيران، بعد إرسال أنظمة دفاع جوي إسرائيلية إلى الإمارات للمساعدة في اعتراض التهديدات الجوية، وهو ما يطرح سؤالًا حساسًا: هل نجحت هذه الحماية فعلًا، أم أن الإمارات وجدت نفسها رغم ذلك في مرمى النار الإيرانية؟
من التطبيع إلى الشراكة الأمنية
بدأت العلاقة الرسمية بين الإمارات وإسرائيل مع اتفاقات أبراهام، لكنها لم تتوقف عند فتح السفارات والتبادل التجاري والسياحي. فالمتغير الأهم كان انتقال إسرائيل عام 2021 إلى نطاق القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM، بدلًا من القيادة الأوروبية، وهو قرار سهّل دمج إسرائيل عمليًا في بيئة التعاون العسكري مع الدول العربية الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط، ومن بينها الإمارات. تقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط أشار إلى أن اتفاقات أبراهام ونقل إسرائيل إلى نطاق CENTCOM سهّلا التعاون العسكري والأمني الإسرائيلي العربي، بما في ذلك التدريبات والتنسيق الدفاعي.
هذا التحول مهم جدًا، لأنه نقل العلاقة من مستوى “تطبيع سياسي” إلى مستوى “هندسة أمن إقليمي”، تشرف عليه واشنطن جزئيًا، ويقوم على ربط الرادارات، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والتنسيق ضد الصواريخ والمسيرات.
نوع التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل
يمكن تقسيم التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل إلى عدة مسارات رئيسية:
أولًا، الدفاع الجوي والصاروخي. هذا هو المسار الأبرز والأكثر حساسية. تقارير عدة تحدثت عن حصول الإمارات على أنظمة دفاع جوي إسرائيلية مثل Barak وSPYDER في السنوات الماضية، وهي أنظمة مخصصة للتعامل مع تهديدات جوية متنوعة، تشمل الطائرات والمسيرات والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. كما أشارت تقارير حديثة إلى نشر أو إرسال منظومات إسرائيلية إضافية إلى الإمارات خلال التصعيد مع إيران، من بينها منظومة القبة الحديدية، وربما منظومات ليزر أو مراقبة متقدمة.
ثانيًا، الرادارات والإنذار المبكر. التعاون لا يقتصر على الصواريخ الاعتراضية، لأن المعركة ضد المسيرات والصواريخ تبدأ من لحظة الاكتشاف. تقرير لـ Times of Israel نقلًا عن تقارير أخرى أشار إلى إرسال إسرائيل نظام مراقبة متقدمًا يُعرف باسم Spectro لمساعدة الإمارات على اكتشاف المسيرات الإيرانية من مسافات قصيرة نسبيًا، إلى جانب أنظمة دفاعية أخرى.
ثالثًا، التشغيل والخبرات البشرية. الأخطر في التقارير الأخيرة أنها لا تتحدث فقط عن بيع منظومات، بل عن إرسال إسرائيل منظومات دفاع جوي مع عناصر أو قوات لتشغيلها. فقد نقلت Axios عن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين أن إسرائيل أرسلت منظومة قبة حديدية إلى الإمارات مع قوات لتشغيلها في بداية الحرب مع إيران. إذا صحت هذه الرواية، فنحن أمام تعاون مباشر لا يقتصر على التسليح، بل يصل إلى التشغيل العملياتي داخل دولة خليجية.
رابعًا، التكامل مع المظلة الأمريكية. الإمارات لا تعتمد على إسرائيل وحدها، بل تعمل ضمن شبكة أوسع تقودها الولايات المتحدة، تشمل صفقات دفاعية وخدمات صواريخ وأنظمة قيادة وسيطرة. رويترز ذكرت أن واشنطن وافقت على مبيعات عسكرية عاجلة بأكثر من 8.6 مليار دولار لحلفاء في الشرق الأوسط، من بينهم الإمارات، في سياق التصعيد مع إيران، بما يشمل أنظمة صواريخ دقيقة وخدمات دفاعية.
لماذا تحتاج الإمارات إلى إسرائيل عسكريًا؟
تدرك الإمارات أن التهديد الإيراني لا يأتي بالضرورة عبر حرب تقليدية مباشرة، بل عبر مزيج من الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والصواريخ الجوالة، والهجمات على البنية التحتية الحيوية، خصوصًا المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة. وهذا النوع من التهديدات يحتاج إلى طبقات متعددة من الدفاع: رادارات بعيدة وقريبة، إنذار مبكر، اعتراض صاروخي، أنظمة قصيرة المدى ضد المسيرات، وتنسيق لحظي مع الحلفاء.
إسرائيل تمتلك خبرة طويلة في الدفاع الجوي متعدد الطبقات، من القبة الحديدية ضد الصواريخ القصيرة، إلى مقلاع داود وحيتس، إضافة إلى رادارات وأنظمة قيادة وسيطرة متطورة. لذلك ترى الإمارات في إسرائيل شريكًا تقنيًا وعملياتيًا قادرًا على سد بعض الثغرات في مواجهة تهديدات المسيرات والصواريخ، خاصة بعد أن أصبحت المنطقة الخليجية أكثر عرضة للتصعيد الإيراني المباشر. تقارير غربية ربطت بوضوح بين إرسال أنظمة دفاع إسرائيلية إلى الإمارات وبين الحاجة إلى مواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية.

هل فشلت الحماية الإسرائيلية؟
السؤال عن “فشل الحماية الإسرائيلية” يحتاج إلى تفكيك دقيق. إذا كان المقصود أن التعاون الإسرائيلي الإماراتي كان قادرًا على منع إيران من تهديد الإمارات أصلًا، فالإجابة: لا، لم يمنع التهديد. الإمارات بقيت داخل دائرة الخطر، ومجرد تعليق رحلات أو رفع التأهب أو الحديث عن اعتراضات جوية يعني أن الحماية لم تمنع التصعيد من الاقتراب من المجال الإماراتي.
أما إذا كان المقصود قدرة الأنظمة الإسرائيلية على اعتراض بعض الصواريخ أو المسيرات، فهناك تقارير تزعم حصول اعتراض ناجح. على سبيل المثال، نقلت Iran International عن CNN أن نظام دفاع جوي إسرائيليًا منتشرًا في الإمارات استُخدم لاعتراض صاروخ إيراني قادم، كما تحدثت i24NEWS عن اعتراض تهديد مباشر لأبوظبي بواسطة أنظمة إسرائيلية التشغيل. هذه تقارير مهمة، لكنها تبقى بحاجة إلى إعلان رسمي إماراتي أو أمريكي أو إسرائيلي مفصل يوضح طبيعة التهديد، ونوع المنظومة، ونسبة النجاح.
بمعنى آخر: الحماية لم تفشل بالكامل إذا كانت قد اعترضت تهديدات فعلية، لكنها فشلت سياسيًا في منع الإمارات من أن تصبح هدفًا أو ساحة ضمن الصراع الإقليمي.
التعاون العسكري.. حماية أم استدراج للخطر؟
هنا تظهر المعضلة الكبرى. الإمارات دخلت في تعاون أمني مع إسرائيل لأنها ترى إيران مصدر تهديد، لكن هذا التعاون نفسه قد يجعلها في نظر طهران جزءًا من الجبهة المعادية. فكلما زادت العلاقة العسكرية بين أبوظبي وتل أبيب، خصوصًا إذا شملت تشغيلًا إسرائيليًا لمنظومات دفاع داخل الأراضي الإماراتية، زادت احتمالات أن تنظر إيران إلى الإمارات كامتداد للمنظومة الأمريكية الإسرائيلية في الخليج.
وهذا ما يضع أبوظبي أمام معادلة صعبة:
التعاون مع إسرائيل يمنحها تكنولوجيا دفاعية متقدمة، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة التموضع السياسي، ويجعلها أكثر عرضة للضغط الإيراني، سواء بالتهديد المباشر، أو الهجمات غير المباشرة، أو حرب الملاحة والطاقة.
إسرائيل والإمارات.. شراكة دفاعية لا تحالف كامل
رغم التطور الكبير، لا يمكن القول إن الإمارات وإسرائيل أصبحتا في تحالف عسكري كامل يشبه حلف الناتو مثلًا. التعاون الحالي أقرب إلى شراكة دفاعية وظيفية تقوم على ملفات محددة: الدفاع الجوي، مواجهة المسيرات، الإنذار المبكر، الأمن السيبراني، والتنسيق تحت المظلة الأمريكية.
وهذا النوع من التعاون يسمح للطرفين بالاستفادة من بعضهما دون إعلان التزامات دفاع متبادل كاملة. الإمارات تحصل على تكنولوجيا وخبرة، وإسرائيل تكسب عمقًا إقليميًا ضد إيران، وواشنطن تستفيد من بناء شبكة دفاعية إقليمية تقلل العبء المباشر على القوات الأمريكية.
البعد الأمريكي.. من يقود المنظومة؟
رغم أن الحديث الإعلامي يركز على إسرائيل، فإن الولايات المتحدة تبقى اللاعب الرئيسي في هندسة الأمن الخليجي. الإمارات تعتمد تقليديًا على المظلة الأمريكية، وعلى أنظمة دفاع غربية، وعلى ترتيبات القيادة المركزية. لكن الجديد أن إسرائيل أصبحت مدمجة داخل هذا النظام، بعد دخولها نطاق CENTCOM، وهو ما يجعل التعاون الإماراتي الإسرائيلي جزءًا من شبكة أمريكية أوسع، وليس مجرد علاقة ثنائية مستقلة.
وهذا يعني أن أي منظومة دفاعية في الإمارات قد تكون عمليًا جزءًا من “شبكة مشتركة” تشمل بيانات أمريكية، تقنيات إسرائيلية، منصات إماراتية، وربما مساهمات من دول خليجية أخرى.
لماذا يثير هذا التعاون غضب إيران؟
إيران تنظر إلى إسرائيل باعتبارها خصمًا استراتيجيًا مباشرًا، وترى وجودها الأمني في الخليج تهديدًا خطيرًا. لذلك، فإن أي تعاون عسكري إسرائيلي مع الإمارات لا يُقرأ في طهران باعتباره دفاعًا إماراتيًا فقط، بل باعتباره تموضعًا إسرائيليًا قريبًا من السواحل الإيرانية.
وهنا تكمن حساسية الإمارات تحديدًا: قربها الجغرافي من إيران، وتشابكها الاقتصادي مع الخليج، واعتمادها على حركة الطيران والموانئ والطاقة، يجعلها شديدة التأثر بأي تصعيد. فإذا تحولت العلاقة مع إسرائيل إلى حضور دفاعي ميداني، فقد تصبح الإمارات في عين العاصفة، لا على هامشها.
الإمارات بين مكسب التكنولوجيا وخسارة الحياد
من الناحية العسكرية، استفادت الإمارات من التعاون مع إسرائيل في توسيع طبقات الدفاع الجوي، وتطوير الإنذار المبكر، والحصول على خبرات في مواجهة المسيرات والصواريخ. هذه مكاسب حقيقية، خصوصًا في زمن أصبحت فيه المسيرات الرخيصة قادرة على تهديد منشآت بمليارات الدولارات.
لكن من الناحية السياسية، دفعت الإمارات ثمنًا آخر: تآكل مساحة الحياد، وظهورها في الخطاب الإيراني باعتبارها طرفًا أقرب إلى الجبهة الأمريكية الإسرائيلية. وهذا يعني أن أي تصعيد أمريكي إسرائيلي ضد إيران قد يرتد على الإمارات، حتى لو لم تكن أبوظبي هي صاحبة القرار العسكري الأصلي.
لذلك، يمكن القول إن التعاون العسكري الإماراتي الإسرائيلي وفر مظلة دفاعية جزئية، لكنه لم يوفر حصانة استراتيجية كاملة. فالدفاع الجوي قد يسقط صاروخًا أو مسيرة، لكنه لا يستطيع إسقاط آثار التموضع السياسي في قلب صراع إقليمي مفتوح.
مستقبل التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل
من المرجح أن يتعمق التعاون خلال الفترة المقبلة، خاصة في مجالات الدفاع الجوي، والرادارات، والتكنولوجيا المضادة للمسيرات، والأمن السيبراني، وربما الذكاء الاصطناعي العسكري. كما قد يتوسع التعاون تحت مظلة أمريكية أوسع تربط إسرائيل بعدد من الدول الخليجية ضمن شبكة إنذار مبكر موحدة.
لكن هذا التوسع سيبقى محكومًا بعاملين: الأول هو مستوى التصعيد مع إيران، والثاني هو قدرة الإمارات على موازنة علاقاتها الأمنية مع إسرائيل دون الوصول إلى نقطة تجعلها هدفًا دائمًا في أي مواجهة مقبلة.
تنسيق عملياتي
التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل لم يعد مجرد تسريبات أو علاقات خلفية، بل أصبح واقعًا دفاعيًا يتجلى في أنظمة دفاع جوي، ورادارات، وتنسيق عملياتي، وربما تشغيل مباشر لبعض المنظومات في لحظات التصعيد. لكنه تعاون يحمل وجهين: وجه الحماية التقنية من الصواريخ والمسيرات، ووجه المخاطرة السياسية الناتجة عن الاقتراب أكثر من الجبهة الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران.
وفي ظل التصعيد الحالي، تبدو الإمارات أمام اختبار صعب: هل تستطيع تحويل التعاون مع إسرائيل إلى درع دفاعي دون أن تتحول إلى هدف مباشر؟ أم أن هذه الشراكة، بدل أن تحميها من النار، ستجعلها أقرب إلى مرماها؟


