السبت، ٢ مايو ٢٠٢٦ في ١٠:٢٨ م

اعترافات تهز السودان.. كواليس غرف عمليات الدعم السريع واتهامات التدخل الخارجي

اعترافات النور القُبّة تهز السودان.. هل تكشف كواليس غرف عمليات الدعم السريع خارج الحدود؟

زلزال سياسي جديد في ملف حرب السودان

دخلت حرب السودان مرحلة جديدة من السجال السياسي والإعلامي بعد ظهور اعترافات منسوبة إلى اللواء المنشق النور أحمد آدم القُبّة، أحد أبرز القيادات السابقة في قوات الدعم السريع، والتي تحدثت عن تفاصيل خطيرة تتعلق بطريقة إدارة العمليات، وشبكات المرتزقة، وغرف الإعلام، والأدوار الخارجية في الصراع السوداني.

وتأتي هذه الاعترافات في توقيت شديد الحساسية، بعد انشقاق القُبّة عن الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش السوداني، في خطوة وصفتها تقارير دولية بأنها من أبرز الانشقاقات داخل صفوف قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن القُبّة، المعروف أيضًا باسم اللواء النور أحمد آدم، فرّ من مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور مع مقاتلين ومعدات، وأن انشقاقه جاء على خلفية خلافات داخلية مرتبطة بالمناصب القيادية بعد تطورات الفاشر.

من هو النور القُبّة؟ ولماذا تثير تصريحاته كل هذا الجدل؟

النور القُبّة ليس اسمًا عابرًا في خريطة الصراع السوداني؛ فهو قائد ميداني بارز سابق في قوات الدعم السريع، وانشقاقه يحمل دلالة سياسية وعسكرية كبيرة، لأنه يأتي من داخل بنية القوة نفسها، وليس من خصم خارجي يهاجمها من بعيد.

وتشير تقارير عربية ودولية إلى أن انشقاقه كشف عن تصدعات داخل صفوف الدعم السريع، خصوصًا مع دخول الحرب عامها الرابع، وتزايد الضغوط العسكرية والسياسية والقبلية داخل الميليشيا. كما تحدثت تقارير عن أن أسباب الانشقاق ارتبطت بخلافات حول التعيينات القيادية بعد معركة الفاشر، إلى جانب توترات قبلية وشخصية داخل الدعم السريع.

الاعترافات المنسوبة للقُبّة.. غرف عمليات وإدارة من الخارج

بحسب منشورات وتقارير سودانية متداولة، اتهم القُبّة قوات الدعم السريع بأنها لا تدير الحرب من الميدان وحده، بل من خلال شبكات قيادة وغرف عمليات خارجية، وزعم أن هناك غرفة رئيسية في دولة الإمارات تدير جانبًا من العمليات. هذه الاتهامات لا تزال محل جدل واسع، لأنها تأتي ضمن حرب إعلامية وسياسية مفتوحة بين أطراف الصراع، كما أن الإمارات تنفي باستمرار دعمها العسكري لقوات الدعم السريع.

لكن أهمية هذه التصريحات تكمن في أنها تتوافق مع سياق أوسع من الاتهامات السودانية الرسمية للإمارات. ففي مايو 2025، أعلنت الحكومة السودانية قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي، متهمة إياها بدعم قوات الدعم السريع، بينما نفت الإمارات تزويد الدعم السريع بالسلاح أو تمويله.

مرتزقة أجانب في قلب المعركة

من أبرز ما ورد في تصريحات القُبّة حديثه عن اعتماد قوات الدعم السريع على مقاتلين أجانب. ووفق تقرير لـ Sudan Tribune، قال القائد المنشق إن الدعم السريع جند نحو 150 مرتزقًا كولومبيًا للمشاركة في عمليات الفاشر، كما اتهم القوات بتشغيل غرف إعلام ممولة لنشر الشائعات والتضليل.

وهذه النقطة تحديدًا تعمّق المخاوف من تحول الحرب في السودان من صراع داخلي بين الجيش والدعم السريع إلى ساحة مفتوحة لتدخلات عابرة للحدود، حيث تختلط الحسابات المحلية بشبكات التمويل والسلاح والمرتزقة والإعلام.

الفاشر في قلب الحرب الإعلامية

مدينة الفاشر ليست مجرد نقطة عسكرية على الخريطة السودانية، بل أصبحت رمزًا لصراع دموي واسع في دارفور. الاتهامات المتداولة حول “تزييف عودة الحياة” أو صناعة مشاهد إعلامية مضللة تعكس جانبًا آخر من الحرب، وهو جانب السيطرة على الصورة والرواية.

ففي الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تُحسم فقط بالسيطرة على الأرض، بل أيضًا بالسيطرة على الكاميرا، والبيان، والمنصة، والهاشتاج. وإذا صحت المزاعم الخاصة بإنتاج مشاهد إعلامية لتغطية آثار العنف والتهجير، فإن ذلك يعني أن الحرب في السودان دخلت مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح التضليل جزءًا من إدارة المعركة.

الدعم السريع بين الميدان وغرف البروباجندا

بحسب تصريحات القُبّة التي نقلتها تقارير صحفية، فإن قوات الدعم السريع تدير غرفًا إعلامية ممولة لنشر الشائعات والتأثير على الرأي العام وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

هذه النقطة تفسر جانبًا من حالة الارتباك المعلوماتي المحيطة بالحرب السودانية. فكل طرف يحاول تقديم نفسه باعتباره صاحب الحق، وكل طرف يتهم الآخر بارتكاب جرائم وانتهاكات، بينما يدفع المواطن السوداني الثمن الأكبر من حياته وأمنه وبيته ولقمة عيشه.

الاتهام السياسي الداخلي.. واجهات مدنية أم غطاء للصراع؟

النصوص المتداولة حول اعترافات القُبّة تشير أيضًا إلى وجود ما وصفته بـ“التواطؤ السياسي الداخلي”، عبر لقاءات أو ترتيبات مع شخصيات سياسية تمنح غطاءً مدنيًا أو إعلاميًا لأنشطة الدعم السريع. هذه الاتهامات تحتاج إلى تحقيقات موثقة ومستقلة قبل التعامل معها كحقائق نهائية، لكنها تفتح سؤالًا مهمًا: هل تحولت بعض الواجهات السياسية في السودان إلى أدوات لتسويق واقع عسكري على أنه مشروع مدني؟

هذا السؤال ليس تفصيلاً هامشيًا، لأن الحرب السودانية منذ بدايتها لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضًا حرب شرعية: من يمثل الدولة؟ من يمثل الثورة؟ من يمثل المدنيين؟ ومن يستخدم شعارات المدنية لتبرير السلاح؟

“حكومة تأسيس”.. واجهة أم مشروع سياسي؟

من ضمن المزاعم المتداولة أن ما يسمى بـ“حكومة تأسيس” ليس إلا واجهة إعلامية صممتها غرف خارجية لتجميل واقع السيطرة المسلحة. ووفق هذا الطرح، فإن الهدف هو تحويل قوات الدعم السريع من ميليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات إلى كيان سياسي يحاول تقديم نفسه كبديل شرعي.

لكن هذا النوع من المشاريع يواجه عقبة كبرى: لا يمكن لأي كيان سياسي أن يكتسب شرعية حقيقية فوق أنقاض المدن، أو من خلال التهجير، أو عبر الاعتماد على السلاح والمرتزقة. الشرعية لا تُصنع في غرف الإعلام، بل تُبنى من قبول الناس، وحماية المدنيين، واحترام القانون.

الإمارات في دائرة الاتهام.. ونفي متكرر

تكرار الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع جعل أبوظبي طرفًا دائم الحضور في السجال حول حرب السودان. لكن من المهم صحفيًا الإشارة إلى أن الإمارات نفت مرارًا دعم قوات الدعم السريع بالسلاح أو التمويل.

في المقابل، كشفت تحقيقات دولية عن وجود شبكات مالية وعقارية مرتبطة بقيادات الدعم السريع وأفراد من عائلة محمد حمدان دقلو “حميدتي” في دبي، بينها تحقيق حديث أشار إلى امتلاك قيادات وشخصيات مرتبطة بالدعم السريع محفظة عقارية فاخرة في دبي بقيمة تقدر بنحو 17.7 مليون جنيه إسترليني، ضمن ما وصفته تقارير بأنه شبكة اقتصادية عابرة للحدود مرتبطة بتجارة الذهب وتمويل النفوذ.

هذه المعطيات لا تثبت وحدها كل الاتهامات العسكرية، لكنها تضع العلاقة بين المال والحرب والذهب ودبي في قلب الأسئلة الصعبة حول من يمول الصراع ومن يستفيد من استمراره.

السودان لا يواجه تمردًا فقط.. بل حرب شبكات

القراءة الأعمق لاعترافات القُبّة، إذا صحت تفاصيلها، تقول إن السودان لا يواجه مجرد تمرد مسلح بالمعنى التقليدي، بل يواجه حرب شبكات:
شبكات مقاتلين، وشبكات تمويل، وشبكات إعلام، وشبكات علاقات خارجية، وشبكات مصالح اقتصادية مرتبطة بالذهب والموانئ والموارد.

وهذه هي خطورة المشهد. فالحرب التي تبدأ بين طرفين داخل بلد واحد قد تتحول سريعًا إلى ساحة إقليمية مفتوحة، إذا دخل المال الخارجي، والسلاح المستورد، والمرتزقة، والواجهات السياسية، والإعلام الموجه.

ماذا تعني هذه الاعترافات للجيش السوداني؟

سياسيًا، تمنح اعترافات القُبّة الجيش السوداني ورقة دعائية قوية، لأنه يستطيع تقديمها كدليل من داخل صفوف الدعم السريع على وجود تصدعات داخلية وتدخلات خارجية. وعسكريًا، قد تساعد هذه الاعترافات في فهم بنية القيادة والتحرك داخل الدعم السريع، خصوصًا إذا كانت مصحوبة بوثائق أو معلومات عملياتية دقيقة.

لكن في الوقت نفسه، لا يكفي الانشقاق وحده لتغيير مسار الحرب ما لم يتحول إلى سلسلة انشقاقات أوسع، أو إلى اختراقات معلوماتية حقيقية تؤثر على قدرة الدعم السريع في الميدان.

المواطن السوداني هو الضحية الأكبر

وسط كل هذا الصراع بين الجيوش والميليشيات والغرف الخارجية والحسابات الإقليمية، يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 خلّفت عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين واللاجئين، ودفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وتشير أسوشيتد برس إلى أن عدد القتلى يقدر بعشرات الآلاف، بينما يرجح أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير.

لذلك، فإن أي اعترافات أو وثائق أو انشقاقات يجب أن تكون مدخلًا لإنهاء الحرب وكشف الحقيقة، لا مجرد مادة جديدة في معركة الإعلام والاتهامات.

سقوط القناع أم بداية فصل جديد؟

اعترافات النور القُبّة تمثل ضربة سياسية ومعنوية لقوات الدعم السريع، لأنها تأتي من قائد سابق من داخل التنظيم نفسه. لكنها في الوقت ذاته تفتح بابًا أوسع للأسئلة: من يدير الحرب؟ من يمولها؟ من يستفيد من استمرارها؟ وهل يمكن للسودان أن يستعيد سيادته وسط هذا التشابك الإقليمي والدولي؟

ما يبدو واضحًا أن السودان لم يعد أمام أزمة محلية محدودة، بل أمام صراع متعدد المستويات، تتداخل فيه البنادق مع الذهب، والإعلام مع المرتزقة، والسياسة مع غرف العمليات. وإذا كانت اعترافات القُبّة قد أسقطت جزءًا من القناع، فإن المهمة الأكبر الآن هي تحقيق مستقل، ومحاسبة حقيقية، ووقف نزيف بلد يدفع ثمن حرب أكبر من حدوده.

 

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.