الاثنين، ١١ مايو ٢٠٢٦ في ٠١:٥٤ م

اعتراف أمريكي صادم.. مخزون الذخائر يتآكل بسبب حرب إيران وواشنطن أمام اختبار الردع

خرج السيناتور الأمريكي مارك كيلي، عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، بتصريحات مثيرة حملت اعترافًا نادرًا بحجم الاستنزاف الذي تتعرض له الترسانة العسكرية الأمريكية. فالمعركة، التي بدت في ظاهرها صراعًا محدودًا لردع طهران وحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، تحولت وفق هذه التصريحات إلى نزيف عسكري يلتهم مخزونات دقيقة من الذخائر والصواريخ والأنظمة الدفاعية التي كانت واشنطن تراهن عليها في أي مواجهة كبرى محتملة.

كيلي قال في مقابلة مع برنامج Face the Nation على شبكة CBS إن حجم التوغل داخل “مخازن الذخائر” الأمريكية بات “صادمًا”، محذرًا من أن الولايات المتحدة أنفقت كميات كبيرة من الذخائر بسبب دخولها الحرب دون هدف استراتيجي واضح أو خطة أو جدول زمني، مضيفًا أن ذلك يجعل الشعب الأمريكي “أقل أمنًا”.

واشنطن أمام أزمة ذخائر.. ماذا قال مارك كيلي؟

اللافت في تصريحات كيلي أنها لم تكن مجرد انتقاد سياسي تقليدي لإدارة الرئيس دونالد ترامب، بل جاءت من عضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، ومن طيار بحري سابق ورائد فضاء سابق، ما يمنح حديثه وزنًا داخل النقاش العسكري الأمريكي.

وبحسب ما نقلته CBS، أشار كيلي إلى أن الولايات المتحدة استهلكت كميات كبيرة من الذخائر خلال الحرب مع إيران، لافتًا إلى أن المخزونات باتت مستنزفة، وأن تعويضها قد يستغرق “سنوات”. كما تحدثت تقارير عن أن القلق يشمل ذخائر وأنظمة متقدمة مثل صواريخ توماهوك، وATACMS، واعتراضات SM-3، وذخائر ثاد وباتريوت.

وهنا تكمن خطورة الاعتراف؛ فالأمر لا يتعلق بذخائر تقليدية يمكن تعويضها سريعًا، بل بمنظومات دقيقة ومكلفة ومحدودة الإنتاج، تُستخدم عادة في حماية القواعد والقوات والسفن، أو في ضرب أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

الاستنزاف العسكري يتحول إلى تهديد للأمن القومي

التحذير الأكبر في كلام كيلي هو أن استنزاف الذخائر لا ينعكس فقط على جبهة إيران، بل يهدد قدرة واشنطن على الردع في مناطق أخرى أكثر حساسية، خاصة في غرب المحيط الهادئ، حيث تضع الولايات المتحدة الصين في قلب حساباتها العسكرية طويلة المدى. كيلي قال بوضوح إن الذخائر المستنزفة قد تؤثر على أي صراع محتمل مع الصين أو في أي منطقة أخرى من العالم.

بهذا المعنى، تبدو الحرب مع إيران وكأنها تحولت إلى “ثقب أسود” للقدرات العسكرية الأمريكية؛ فكل صاروخ اعتراضي يُطلق في الخليج، وكل صاروخ كروز يُستخدم في ضربة ضد أهداف إيرانية، هو جزء من مخزون كان يمكن أن يكون مخصصًا لسيناريوهات أكبر وأكثر تعقيدًا.

صواريخ باهظة أمام تهديدات منخفضة التكلفة

واحدة من أخطر معضلات الحروب الحديثة أن القوة الكبرى قد تجد نفسها مضطرة لاستخدام ذخائر باهظة الثمن لاعتراض تهديدات أقل تكلفة، مثل الطائرات المسيرة أو الصواريخ الأقل تطورًا. وهذا النمط يرهق المخزونات سريعًا، خصوصًا عندما تكون المواجهة طويلة ومفتوحة وغير محددة النهاية.

وقد أشارت تقارير دولية إلى أن الحرب مع إيران استهلكت “سنوات” من الذخائر الأمريكية الحرجة، وأن تكلفة الحرب قد تدفع البنتاجون إلى طلب تمويل إضافي ضخم، وسط تقديرات تحدثت عن تكلفة قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.

البنتاجون يرد.. اتهام لكيلي بكشف معلومات حساسة

تصريحات كيلي فجّرت خلافًا داخل واشنطن، إذ رد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث باتهام السيناتور بالحديث علنًا عن معلومات من إحاطة سرية في البنتاجون، وقال إن المستشار القانوني في وزارة الدفاع سيراجع ما إذا كان كيلي قد خالف التزاماته. في المقابل، رد كيلي بأن تصريحاته لا تكشف أسرارًا، وأن مخاوف استنزاف المخزون نوقشت في جلسات عامة أيضًا.

هذا السجال يعكس حساسية الملف؛ فمجرد الحديث عن مستوى المخزونات العسكرية الأمريكية في وقت الحرب يعد قضية شديدة الخطورة، لأنه لا يؤثر فقط على الرأي العام، بل يرسل أيضًا إشارات مباشرة إلى الخصوم حول حدود القدرة الأمريكية على الاستمرار.

هل تراجعت هيبة الردع الأمريكي؟

من الناحية السياسية والعسكرية، فإن أخطر ما في الأزمة ليس فقط انخفاض المخزونات، بل اهتزاز صورة الردع الأمريكي. فالولايات المتحدة بنت قوتها لعقود على فكرة أنها قادرة على خوض أكثر من أزمة في وقت واحد، ودعم حلفائها، وحماية الممرات البحرية، وردع الصين وروسيا وإيران في آن واحد.

لكن إذا بدأت واشنطن تتحدث علنًا عن أن تعويض الذخائر قد يستغرق سنوات، فإن خصومها سيقرأون ذلك باعتباره نافذة ضعف. وقد يدفع ذلك قوى مثل الصين أو روسيا أو إيران إلى اختبار حدود القوة الأمريكية، سواء في مضيق تايوان أو أوكرانيا أو الخليج.

حرب إيران تضغط على الداخل الأمريكي

التصريحات تأتي أيضًا في توقيت سياسي حساس داخل الولايات المتحدة، حيث تتزايد الأسئلة حول تكلفة الحرب، وغياب الأهداف النهائية، وقدرة الإدارة على شرح ما تريد تحقيقه تحديدًا. CBS نقلت أن البيت الأبيض قد يطلب حزمة إنفاق إضافية لتغطية تكاليف الحرب، بينما أشارت تقديرات إلى أن التكلفة قد تكون أقرب إلى 50 مليار دولار بدلًا من 25 مليارًا فقط.

وهذا يفتح جبهة داخلية جديدة: هل يتحمل المواطن الأمريكي فاتورة حرب طويلة لا يراها مرتبطة مباشرة بأمنه اليومي؟ وهل يستطيع ترامب الدفاع عن حرب ترفع أسعار الطاقة وتستنزف الذخائر وتضع الجيش أمام تحديات تعويض قد تمتد لسنوات؟

قراءة في المشهد.. إيران تستنزف لا تنتصر بالضرورة

لا يعني الاستنزاف الأمريكي أن إيران حققت انتصارًا عسكريًا مباشرًا، لكنه يعني أن طهران قد تكون نجحت في فرض معادلة مكلفة على واشنطن. فالحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الضربات أو حجم الدمار، بل أيضًا بحجم الموارد التي يستهلكها كل طرف لتحقيق أهدافه.

إذا كانت الولايات المتحدة تنفق ذخائر دقيقة ومكلفة يوميًا لصد الهجمات وتأمين الممرات البحرية وحماية القواعد، بينما تستطيع إيران الاعتماد على مزيج من الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديد البحري، فإن المعركة تتحول إلى اختبار طويل للنَّفَس الصناعي والمالي والعسكري.

جوهر القوة الأمريكية

تصريحات مارك كيلي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد هجوم حزبي على إدارة ترامب، لأنها تلامس جوهر القوة الأمريكية: المخزون، الصناعة، سرعة التعويض، والجاهزية لصراع أكبر. فواشنطن التي دخلت المواجهة مع إيران باعتبارها قوة قادرة على الردع والحسم، تجد نفسها الآن أمام سؤال مقلق: ماذا لو اندلعت أزمة كبرى مع الصين أو روسيا بينما مستودعات الذخائر الدقيقة لم تتعافَ بعد؟

الحرب مع إيران لم تعد فقط حرب صواريخ وقواعد وممرات بحرية، بل أصبحت حرب استنزاف على العمق الصناعي والعسكري الأمريكي. وإذا كانت تصريحات كيلي دقيقة في جوهرها، فإن الولايات المتحدة لا تواجه إيران وحدها، بل تواجه أيضًا حدود قدرتها على الاستمرار في لعب دور القوة العسكرية الأولى في العالم دون تكلفة استراتيجية باهظة.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.