إيران من رهان الفوضى إلى تثبيت الدولة
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل على تفجير الداخل الإيراني عبر موجة احتجاجات واسعة، أملاً في إحداث تصدع قاتل داخل بنية النظام. غير أن ما انتهت إليه التطورات، وفق قراءة معمّقة للمشهد، لم يكن سقوط الدولة، بل انتصار إيران على المؤامرة، وإعادة إنتاج معادلة جديدة في كيفية التعامل معها إقليميًا ودوليًا.
فرغم خروج مئات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، والزخم غير المسبوق للاحتجاجات من حيث الانتشار الجغرافي والتنوع الاجتماعي، أظهر النظام الإيراني تماسكًا لافتًا أربك حسابات الخارج، وأفشل الرهان على الانهيار السريع.
تماسك الدولة وإسقاط رهان الانقسام
بحسب تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية، فإن ما وصفته المجلة بـ«التماسك الظاهري» للنظام الإيراني تجلّى في اصطفاف غير مسبوق بين التيارات السياسية المختلفة، من إصلاحيين ومحافظين، خلف خيار حماية الدولة ومنع الانزلاق إلى الفوضى.
لم تشهد الساحة الإيرانية أي انشقاق علني داخل النخبة الحاكمة، كما لم يظهر أي تيار سياسي وازن يتبنى رواية إسقاط النظام، بل جرى التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها ساحة اختراق خارجي تقف خلفها أطراف دولية، وهو ما عزز وحدة القرار في لحظة فارقة.
فشل الرهان الأميركي–الإسرائيلي
كانت واشنطن وتل أبيب تعوّلان على سيناريو شبيه بتجارب “الفوضى الخلاقة”، يقوم على استنزاف الدولة من الداخل، ودفع مؤسساتها الأمنية والعسكرية إلى التفكك. إلا أن ما حدث فعليًا هو العكس تمامًا:
-
لم يحدث أي انقسام داخل الأجهزة السيادية
-
لم تنحز القوات المسلحة أو الحرس الثوري إلى الشارع
-
لم تسقط مراكز القرار أو تفقد السيطرة
وبذلك، تحولت الاحتجاجات من أداة ضغط خارجي إلى اختبار صلابة داخلي نجحت الدولة في تجاوزه.
الاحتجاجات… كسر الوهم لا الدولة

تعترف فورين أفيرز بأن الاحتجاجات، رغم حدّتها، لم تصل إلى مستوى إحداث شق داخل مراكز القوة. صحيح أنها كشفت حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لكنها في المقابل أسقطت وهم قدرة الخارج على هندسة التغيير من الشارع.
بل إن النظام الإيراني، بعد احتواء المظاهرات، خرج بصورة أكثر صلابة، بعدما تأكدت مؤسساته أن المواجهة لم تعد داخلية فقط، بل حرب مركّبة تستهدف وجود الدولة نفسها.
خلق واقع جديد في التعامل مع إيران
ما بعد الاحتجاجات ليس كما قبلها. فإيران اليوم:
-
أثبتت أن القمع وحده ليس هو الأداة، بل ضبط الدولة ومنع انهيارها
-
وجّهت رسالة واضحة بأن الضغط الخارجي لن يفرض تغييرًا سياسيًا
-
فرضت على الغرب إعادة التفكير في أدواته، بعد فشل خيار الشارع
وهذا ما يفسر التحول التدريجي في نبرة الخطاب الغربي، والعودة للحديث عن التفاوض بدل المواجهة المفتوحة.
تفكيك سيناريوهات التغيير الثلاثة
طرحت فورين أفيرز ثلاثة مسارات محتملة لتغيير النظام الإيراني، غير أن القراءة الواقعية تُظهر أن اثنين منها سقطا عمليًا:
المسار الأول: ثورة شعبية شاملة
هذا السيناريو فشل لغياب العامل الحاسم:
انشقاق مؤسسات الدولة، وهو ما لم يحدث.
المسار الثاني: تدخل خارجي مباشر
وهو خيار:
-
مكلف عسكريًا
-
عالي المخاطر
-
قد يشعل المنطقة بالكامل
ولهذا بات غير مطروح فعليًا في المدى المنظور.
المسار الثالث: انقلاب من داخل النظام
ورغم طرحه نظريًا، فإن الوقائع تشير إلى أن تماسك النخبة بعد الاحتجاجات جعل هذا السيناريو مؤجلًا، لا سيما مع إدراك الحرس الثوري أن أي مغامرة داخلية قد تفتح الباب أمام تدخل خارجي مباشر.
الحرس الثوري: ركيزة الاستقرار لا أداة الانقلاب
على عكس ما تراهن عليه بعض التحليلات الغربية، أثبت الحرس الثوري الإيراني أنه:
-
ضامن لوحدة الدولة
-
لاعب مركزي في منع التفكك
-
غير مستعد للمقامرة بمصير النظام في لحظة صراع إقليمي مفتوح
وبينما توجد تباينات داخلية طبيعية بين الأجيال، إلا أن القاسم المشترك ظل واضحًا: رفض إسقاط النظام تحت الضغط الخارجي.
إيران بعد الأزمة: دولة أقوى لا أضعف
رغم التحديات الاقتصادية والضغوط السياسية، خرجت إيران من هذه الجولة وقد:
-
أفشلت محاولة إسقاطها من الداخل
-
أعادت ترتيب أولوياتها الأمنية والسياسية
-
فرضت على خصومها الاعتراف بحدود قدرتهم على التأثير
وهو ما يعني أن أي تغيير قادم – إن حدث – سيكون قرارًا إيرانيًا داخليًا خالصًا، لا نتيجة إملاءات أميركية أو إسرائيلية.
انتصار الدولة لا نهاية الصراع

ما جرى في إيران لم يكن مقدمة لسقوط النظام، بل انتصارًا على أخطر محاولة لفرض التغيير بالقوة الناعمة والفوضى. صحيح أن البلاد مقبلة على تحولات، لكن المؤكد أن المؤامرة الأميركية–الإسرائيلية فشلت، وأن إيران فرضت واقعًا جديدًا:
دولة تُحاصَر… لكنها لا تُكسر.


