تتحرك طهران على حافة معادلة معقدة تجمع بين الدبلوماسية والردع العسكري، بعدما أعلنت عزمها تنفيذ عمليات إطلاق صواريخ في جنوب البلاد، بالتزامن مع مناورات بحرية واسعة في مضيق هرمز، وسط حشد أمريكي غير مسبوق في المنطقة. المشهد الإقليمي يبدو أقرب إلى اختبار إرادات مفتوح، حيث تتقاطع رسائل القوة مع مسار تفاوضي لم يُحسم بعد.
إشعار جوي وتحذير مبكر.. ماذا يعني إطلاق الصواريخ؟
أعلنت إدارة الطيران الاتحادية الأمريكية أن إيران أصدرت إشعارًا للملاحة الجوية يفيد بتنفيذ عمليات إطلاق صواريخ في مناطق جنوب البلاد من الساعة 03:00 حتى 13:30 بتوقيت غرينتش.
إصدار مثل هذا الإشعار لا يُعد إجراءً روتينيًا فحسب، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية، إذ يتم إخطار الطيارين وشركات الطيران بوجود نشاط عسكري قد يؤثر على سلامة المجال الجوي. التوقيت، عقب مناورات بحرية مكثفة، يعكس رغبة إيرانية في تثبيت معادلة الردع دون الانزلاق المباشر إلى مواجهة شاملة.

مضيق هرمز.. الورقة الأكثر حساسية
خلال الأسبوع الجاري، أجرت إيران مناورات بحرية في مضيق هرمز وأغلقته مؤقتًا لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية، في خطوة غير مسبوقة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا يمر عبره نحو ثلث إمدادات النفط العالمية المنقولة بحرًا. أي إشارة إلى إغلاقه، حتى لو كانت تدريبية، تُقرأ دوليًا باعتبارها رسالة استراتيجية تمس أمن الطاقة العالمي، وتضع الأسواق على أهبة الاستعداد.
كما تعتزم طهران تنفيذ مناورة بحرية مشتركة مع موسكو، وهو تطور يعكس تقاربًا عسكريًا روسيًا – إيرانيًا، يحمل أبعادًا تتجاوز الإطار الإقليمي إلى حسابات التوازن الدولي.
واشنطن بين الدبلوماسية وخيار القوة
التصعيد الإيراني يأتي بالتوازي مع توسع الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، والذي يشمل حاملتي طائرات، عشرات السفن الحربية، مئات الطائرات المقاتلة، وأنظمة دفاع جوي متقدمة.
وخلال الساعات الأخيرة، توجهت عشرات المقاتلات من طراز F-35 وF-22 وF-16 إلى الشرق الأوسط، فيما نقلت أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية أنظمة تسليح وذخائر إلى قواعد أمريكية في المنطقة.
نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس صرّح بأن واشنطن تدرس ما إذا كانت ستواصل الانخراط الدبلوماسي مع طهران أم ستتجه إلى خيارات أخرى، في إشارة واضحة إلى أن المسار التفاوضي لم يعد المسار الوحيد المطروح على الطاولة.
جنيف.. تقدم محدود وفجوات واسعة
بالتوازي مع التصعيد العسكري، عُقدت لقاءات في جنيف جمعت مبعوثين أمريكيين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لمدة ثلاث ساعات.
الجانبان تحدثا عن "تقدم" في المحادثات، إلا أن مصادر أمريكية أكدت أن الفجوات ما زالت واسعة، وأن التفاؤل بشأن تضييقها محدود. هذه الازدواجية – تقدم معلن مقابل تشاؤم واقعي – تعكس تعقيد الملف النووي الإيراني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
هل نحن أمام حرب واسعة؟
تقارير أمريكية أشارت إلى أن أي عملية عسكرية محتملة قد تكون حملة ممتدة لأسابيع، أقرب إلى حرب شاملة منها إلى ضربة جراحية محدودة.
السيناريو المطروح يتحدث عن عملية أمريكية – إسرائيلية مشتركة، أوسع نطاقًا من المواجهات السابقة، مع تأثيرات عميقة على النظام الإيراني والمنطقة بأسرها. مثل هذه المواجهة، إن وقعت، لن تقتصر على حدود إيران، بل قد تمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، والخريطة الأمنية للشرق الأوسط.
قراءة تحليلية.. رسائل متبادلة أم انزلاق تدريجي؟
المشهد الحالي يعكس استراتيجية "الضغط المتبادل":
-
إيران ترفع سقف الردع عبر الصواريخ والمناورات وإشارات إغلاق هرمز.
-
الولايات المتحدة توسع وجودها العسكري وتلوّح بخيارات متعددة.
-
في الوقت ذاته، تستمر القنوات الدبلوماسية ولو ببطء.
هذا التوازن الهش قد يُفسر باعتباره محاولة لفرض شروط تفاوضية أقوى قبل أي اتفاق محتمل. لكن الخط الفاصل بين الردع والانفجار يبقى رفيعًا للغاية، خاصة مع تداخل العامل الإسرائيلي في المعادلة.
المنطقة على صفيح ساخن
التوتر بين طهران وواشنطن لا يُقرأ بمعزل عن سياق أوسع يشمل:
-
سباق النفوذ في الخليج.
-
التحالفات العسكرية المتغيرة.
-
حسابات الداخل السياسي في الولايات المتحدة وإيران.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة: إما تثبيت مسار تفاوضي يُخفف التصعيد، أو انتقال تدريجي نحو مواجهة قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط لسنوات قادمة.


