استمرار لنهج السياسات التوسعية الإسرائيلية، التي لا تُقيم وزنًا كافيًا لتداعياتها على استقرار الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، كشفت صحيفة معاريف العبرية عن جلسة سرية عُقدت داخل الكنيست الإسرائيلي خُصصت لمناقشة اعتراف تل أبيب بإقليم صومالي لاند، وسط تحذيرات أمنية مباشرة من جهاز الموساد بشأن العواقب الاستراتيجية الخطيرة لهذه الخطوة.
اللافت في التسريبات أن الاعتراف، الذي قُدّم سياسيًا باعتباره “تعزيزًا للتحالفات الإقليمية”، لم يكن قرارًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل جزءًا من مقاربة أوسع تقوم على توسيع النفوذ الإسرائيلي في مناطق الهشاشة الجيوسياسية، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار الإقليمي ووحدة الدول.
جلسة استثنائية ورسائل أمنية مقلقة
بحسب معاريف، شهدت الجلسة السرية للجنة الخارجية والأمن في الكنيست حضور ممثل رفيع المستوى عن جهاز الموساد، في سابقة نادرة تعكس حساسية الملف. وأوضح المسؤول الأمني لأعضاء الكنيست أن الاعتراف بصومالي لاند ليس مجرد خطوة رمزية، بل يحمل في طياته تداعيات أمنية عميقة قد ترتد على إسرائيل نفسها.
ظهور الموساد في نقاش سياسي برلماني يُعد مؤشرًا واضحًا على أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك حجم المخاطر، سواء من حيث ردود الفعل الإقليمية أو احتمالات توسيع بؤر التوتر في منطقة القرن الإفريقي، التي تُعد أصلًا ساحة تنافس دولي محتدم.

منطق النفوذ قبل الاستقرار
خلال الجلسة، قدّم مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية تصورًا سياسيًا مكمّلًا، معتبرًا أن الاعتراف بصومالي لاند يأتي ضمن سياسة إسرائيلية أشمل لتعزيز مكانتها كلاعب إقليمي مؤثر.
غير أن هذا الطرح قوبل بانتقادات ضمنية داخل الأوساط الأمنية، إذ بدا أن منطق النفوذ والتوسع يسبق أي حسابات حقيقية للاستقرار طويل المدى.
وتعكس هذه المقاربة توجهًا إسرائيليًا متزايدًا نحو التحرك في الفراغات السياسية داخل الدول الهشة، مستفيدة من الانقسامات الداخلية، ولو كان الثمن تقويض وحدة دول معترف بها دوليًا.
تجاهل التحذيرات العربية والإقليمية
رغم الإدانات العربية والإسلامية الواسعة، التي وصفت الخطوة بأنها انتهاك صريح لوحدة الصومال وتهديد مباشر لأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، نقلت معاريف عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها إن بعض هذه المواقف “لا تتجاوز إطار تسجيل موقف علني”.
هذا التقدير الإسرائيلي، الذي يقلل من شأن التحذيرات الإقليمية، يعكس استخفافًا واضحًا بتوازنات شديدة الحساسية، خاصة في منطقة تتقاطع فيها مصالح عربية وإفريقية ودولية، وتُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وأمن الملاحة.
قرار أحادي وتداعيات مفتوحة
في 26 ديسمبر، أعلنت إسرائيل رسميًا اعترافها بإقليم صومالي لاند “دولة مستقلة”، لتصبح أول دولة في العالم تقدم على هذه الخطوة.
ووقّع بنيامين نتنياهو مع رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله إعلانًا مشتركًا بالاعتراف المتبادل، في خطوة وُصفت بأنها تصعيد دبلوماسي غير محسوب.
القرار فجّر موجة غضب في الشارع الصومالي، حيث خرجت مظاهرات رافعة أعلام فلسطين، في رسالة رمزية تربط بين القضية الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية التوسعية التي تُعيد إنتاج الأزمات بدل حلها.
القرن الإفريقي.. ساحة جديدة للصراع؟
يرى مراقبون أن اعتراف إسرائيل بصومالي لاند قد يفتح الباب أمام سباق نفوذ إقليمي ودولي في القرن الإفريقي، ويزيد من هشاشة التوازنات الأمنية في منطقة تعاني أصلًا من صراعات داخلية، وتدخلات خارجية، وتهديدات عابرة للحدود.
وفي ظل غياب أي ضمانات حقيقية لعدم انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى، تبدو السياسة الإسرائيلية وكأنها تُراكم مكاسب قصيرة الأجل مقابل مخاطر استراتيجية طويلة المدى، ليس فقط على الصومال، بل على كامل الإقليم.
التوسع غاية اسرائيلية مستمرة
ما تكشفه جلسة الكنيست السرية ليس مجرد نقاش داخلي، بل انعكاس لعقيدة سياسية ترى في التوسع والنفوذ غاية بحد ذاتها، حتى وإن أدى ذلك إلى زعزعة استقرار مناطق بأكملها.
وفي عالم يزداد اضطرابًا، يبدو أن إسرائيل تمضي في توسيع رقعة نفوذها دون اكتراث كافٍ بعواقب هذه السياسات على الأمن الإقليمي والدولي.


