دولة تُراكم الحروب وتُقصي السلام من حساباتها
في ظل تصاعد الحديث عن هجوم أمريكي محتمل على إيران، واستمرار التوتر المتفاقم بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات جديدة تعكس بوضوح العقيدة السياسية والعسكرية التي تحكم سلوك الدولة العبرية، وهي عقيدة تقوم على القوة والتوسع والاستعداد الدائم للحرب، لا على التهدئة أو البحث عن تسويات.
نتنياهو، وفي كلمة ألقاها مساء الثلاثاء أمام طلاب كلية الأمن القومي، تحدث بلغة تعكس ذهنية دولة ترى نفسها في حالة صراع مفتوح مع محيطها، معتبرًا أن إسرائيل لا تكتفي بدور إقليمي، بل تعمل – وفق وصفه – على التحول إلى قوة إقليمية وعالمية في آنٍ واحد، عبر امتلاك أدوات الحرب والاستقلال الكامل في إنتاج السلاح.
صناعة السلاح بدل صناعة السلام
وقال نتنياهو صراحة:
"نحن نحول إسرائيل إلى قوة إقليمية، بل وقوة عالمية في بعض النواحي. نحتاج إلى دفاع قوي للغاية، وقدرة إنتاجية مستقلة، وإلى تعزيز تفوقنا النسبي."
تصريحات لا تترك مجالًا للشك في أن السلام ليس ضمن الأولويات السياسية الإسرائيلية، وأن التركيز ينصب على بناء ترسانة عسكرية مستقلة، وتحرير القرار العسكري من أي قيود خارجية، استعدادًا لحروب مستقبلية تُدار على أكثر من جبهة في آن واحد.
ويرى مراقبون أن حديث نتنياهو عن "القدرة الإنتاجية المستقلة" يعكس هوسًا استراتيجيًا بالاكتفاء الذاتي العسكري، تحسبًا لأي مواجهة شاملة، سواء مع إيران، أو مع أطراف إقليمية أخرى، في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود.
القوة… في لحظة إقليمية خطرة
نتنياهو لم يكتفِ بالحديث عن المستقبل، بل استعرض ما وصفه بـ"إنجازات إسرائيل" خلال عامين ونصف من الحرب المتواصلة على عدة جبهات، معتبرًا أن الشرق الأوسط تغيّر بالكامل نتيجة هذه المواجهات، في إشارة إلى العمليات العسكرية في غزة، ولبنان، وسوريا، إضافة إلى الضربات غير المعلنة والعمليات الاستخباراتية العابرة للحدود.
هذا الخطاب، وفق محللين، يندرج ضمن محاولة تبرير سياسة الحرب الدائمة، وتصويرها كأداة لإعادة رسم خرائط النفوذ، لا كخيار اضطراري أو دفاعي، وهو ما يعزز المخاوف من أن تل أبيب تسعى لتكريس واقع إقليمي جديد بالقوة المسلحة.
دولة توسّع نفوذها بالقوة
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، التي يُنظر إليها على أنها سياسات توسعية قائمة على الاستيلاء على أراضي الغير، وفرض الوقائع بالقوة العسكرية، سواء في الأراضي الفلسطينية أو عبر التدخلات الإقليمية غير المباشرة.
وبينما تتحدث الحكومة الإسرائيلية عن "الأمن" و"التفوق"، يرى خصومها أن ما يجري هو سباق محموم نحو عسكرة الدولة والمجتمع، وإبقاء المنطقة بأكملها في حالة توتر دائم، تُستخدم فيه الحروب كأداة سياسية داخلية وخارجية.
إلى أين تتجه المنطقة؟
تصريحات نتنياهو، في هذا التوقيت الحرج، تعزز المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، خاصة إذا تلاقت الحسابات الإسرائيلية مع أي تحرك عسكري أمريكي ضد إيران، وهو سيناريو قد يفتح أبواب حرب إقليمية شاملة، لا تُعرف حدودها ولا نتائجها.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأبرز مطروحًا بقوة:
هل تقود سياسات القوة والتوسع إلى أمن حقيقي… أم إلى فوضى دائمة يدفع ثمنها الجميع؟


