إسرائيل ترفع سقف التصعيد ضد إيران
في لحظة إقليمية شديدة التوتر، تعود إسرائيل إلى دفع المشهد نحو حافة الانفجار، عبر طرح خيار عسكري أكثر خطورة يتمثل في استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، باعتبارها ما تصفه تل أبيب بـ”شريان الحياة” الاقتصادي للنظام الإيراني.
وبحسب ما نقلته تقارير عن القناة 12 الإسرائيلية، فإن جهات إسرائيلية أبلغت واشنطن بأن أي عودة إلى الحرب مع إيران يجب أن تتضمن ضربات واسعة للبنية التحتية للطاقة، مع تقديرات إسرائيلية تزعم إمكانية تدمير هذه المنشآت خلال 24 ساعة فقط، بما يدفع طهران إلى التفاوض من موقع ضعف شديد.
لماذا تركز إسرائيل على قطاع الطاقة الإيراني؟
تدرك إسرائيل أن قطاع الطاقة يمثل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، سواء عبر النفط أو الغاز أو شبكات التصدير والتمويل المرتبطة بها. ومن هذا المنطلق، ترى تل أبيب أن ضرب هذا القطاع قد يكون أكثر تأثيرًا من ضربات محدودة ضد مواقع عسكرية أو منشآت منفردة.
فالنفط والغاز لا يمثلان فقط مصدر دخل لإيران، بل يدخلان في حسابات أوسع تتعلق بتمويل النفوذ الإقليمي، والبرامج العسكرية، وشبكات الحلفاء والوكلاء في المنطقة. لذلك تسعى إسرائيل إلى نقل الحرب، إن عادت، من مستوى الردع العسكري إلى مستوى الخنق الاقتصادي المباشر.
لكن هذا النوع من التصعيد لا يقف عند حدود إيران وحدها، لأن أي استهداف واسع لمنشآت الطاقة قد يفتح الباب أمام ردود انتقامية في الخليج، حيث تتشابك مصالح الطاقة العالمية مع أمن الممرات البحرية والمنشآت النفطية والغازية.

اتفاق دبلوماسي بعيد.. وضغط عسكري متصاعد
وفق التقارير ذاتها، تعتقد إسرائيل أن فرص التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران باتت ضعيفة، وأن الفجوات بين واشنطن وطهران لا تزال كبيرة، خصوصًا في ملفات البرنامج النووي ومضيق هرمز والتصعيد العسكري المتبادل.
ومن هنا يظهر الرهان الإسرائيلي على الضغط العسكري بدلًا من المسار السياسي. فتل أبيب تبدو مقتنعة بأن إيران لن تقدم تنازلات حقيقية إلا إذا شعرت بأن اقتصادها وقطاع الطاقة لديها تحت تهديد شامل وسريع.
لكن هذه القراءة تحمل مخاطرة هائلة، لأن ضرب البنية التحتية للطاقة قد يدفع إيران إلى توسيع دائرة الرد بدلًا من التراجع، خاصة أن طهران سبق أن حذرت من أنها لن تلتزم بضبط النفس إذا تعرضت منشآت الطاقة لديها لهجمات جديدة.
الخليج في قلب النار إذا اشتعلت حرب الطاقة
الخطر الأكبر في هذا السيناريو أن الخليج لن يكون بعيدًا عن تداعياته. فإيران، إذا تعرضت لضربة واسعة في قطاع الطاقة، قد تختار الرد عبر استهداف منشآت نفطية وغازية في دول الخليج، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أو استخدام أذرعها الإقليمية لتوسيع دائرة الاشتعال.
وقد شهدت المنطقة بالفعل خلال الأشهر الماضية ضربات متبادلة استهدفت منشآت طاقة كبرى، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على الإمدادات العالمية وأسعار النفط والغاز. ووفق تقارير دولية، فإن استهداف منشآت الطاقة في الخليج أدى سابقًا إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق، ورفع مستوى القلق بشأن أمن الإمدادات.
لهذا فإن أي خطة إسرائيلية لضرب “شريان الطاقة” الإيراني ليست مجرد عملية ضد طهران، بل قنبلة إقليمية قد تنفجر في وجه الخليج كله.
هل تدعم دول عربية هذا الخيار بهدوء؟
تتردد في بعض الطروحات السياسية مزاعم بأن بعض الدول العربية قد تنظر بهدوء إلى إضعاف إيران بسبب سياساتها الإقليمية ودعمها للفصائل المسلحة وتدخلاتها في شؤون المنطقة. لكن من المهم التمييز بين القلق العربي المشروع من السلوك الإيراني، وبين تأييد حرب طاقة شاملة قد تحرق المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا.
فالدول الخليجية، حتى وإن كانت متضررة من النفوذ الإيراني، تعلم أن استهداف قطاع الطاقة الإيراني قد ينعكس سريعًا على منشآتها وموانئها وممراتها البحرية. لذلك فإن الموقف العربي الحقيقي غالبًا أكثر تعقيدًا من مجرد تأييد أو رفض، لأنه يقوم على معادلة صعبة: كبح إيران دون إشعال المنطقة.
إسرائيل تريد حسمًا سريعًا.. لكن الشرق الأوسط لا يعرف الحروب القصيرة
تتحدث إسرائيل عن عملية لا تتجاوز 24 ساعة، لكن تجارب المنطقة تؤكد أن الحروب قد تبدأ بضربة محدودة ثم تتحول إلى سلسلة طويلة من الردود والردود المضادة. فإسرائيل قد تضرب منشآت الطاقة الإيرانية بسرعة، لكن لا أحد يضمن شكل الرد الإيراني ولا مداه ولا ساحته.
وقد يكون الرد في مضيق هرمز، أو في الخليج، أو عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، أو عبر هجمات سيبرانية ضد بنية تحتية حساسة. وهنا تصبح الضربة السريعة بداية لحرب مفتوحة، لا نهاية لها.
لذلك، فإن الحديث عن “حسم خلال 24 ساعة” قد يكون مريحًا في غرف التخطيط العسكري، لكنه لا يصمد بالضرورة أمام واقع الشرق الأوسط، حيث تتداخل الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية والميليشيات والتحالفات الدولية.
واشنطن بين ضغط إسرائيل وخوف الانفجار
الولايات المتحدة تقف في موقع بالغ الحساسية. فمن جهة، تتعرض لضغط إسرائيلي من أجل تبني خيار أكثر حسمًا ضد إيران. ومن جهة أخرى، تدرك واشنطن أن ضرب الطاقة الإيرانية قد يرفع أسعار النفط والغاز، ويهدد الملاحة، ويجر القوات الأمريكية في المنطقة إلى مواجهة أوسع.
كما أن أي هجوم واسع على منشآت الطاقة قد يضع حلفاء واشنطن في الخليج أمام خطر مباشر، وهو ما يجعل القرار الأمريكي أكثر تعقيدًا من الحسابات الإسرائيلية. فواشنطن قد ترغب في الضغط على إيران، لكنها لا تريد بالضرورة حربًا إقليمية شاملة تخرج عن السيطرة.
إيران بين الردع والتفاوض
بالنسبة لإيران، فإن استهداف الطاقة يمثل تهديدًا مباشرًا لبقاء النظام الاقتصادي، ولذلك قد تتعامل معه باعتباره خطًا أحمر. وإذا كانت إسرائيل تراهن على أن الضربة ستجبر طهران على التفاوض من موقع ضعف، فإن إيران قد تراهن بالعكس على أن الرد الواسع سيرفع تكلفة الهجوم ويجبر واشنطن وتل أبيب على التراجع.
وهنا تكمن خطورة المشهد: كل طرف يعتقد أن التصعيد سيجبر الطرف الآخر على التراجع، بينما النتيجة قد تكون اندفاع الجميع نحو مواجهة لا يريدها أحد بالكامل، ولا يستطيع أحد التحكم فيها بعد بدايتها.
استهداف البنية التحتية للطاقة
إسرائيل تسعى إلى رفع سقف المواجهة مع إيران عبر الدفع نحو استهداف البنية التحتية للطاقة، في محاولة لضرب مصدر التمويل والنفوذ الإيراني. لكن هذا الخيار، رغم قسوته المحتملة على طهران، يحمل خطرًا كبيرًا على الخليج وأسواق الطاقة والأمن الإقليمي.
فالمنطقة تقف أمام معادلة شديدة الحساسية: الضغط على إيران قد يكون هدفًا إسرائيليًا وأمريكيًا، لكن ضرب قطاع الطاقة قد يحول الصراع من مواجهة عسكرية محدودة إلى حرب اقتصادية إقليمية شاملة، يدفع ثمنها الجميع.
وبين رغبة إسرائيل في “الحسم السريع” وخوف المنطقة من “الاشتعال الطويل”، يبقى السؤال الأخطر: هل تستطيع واشنطن كبح اندفاع تل أبيب، أم أن الشرق الأوسط يقترب من حرب جديدة تبدأ من منشآت الطاقة ولا يعرف أحد أين تنتهي؟


