الجمعة، ٢٣ يناير ٢٠٢٦ في ٠٣:٥٥ م

أوروبا على حافة التحول الاستراتيجي.. هل يدفع توتر الأطلسي القارة العجوز نحو تقارب صيني؟

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تجد أوروبا نفسها أمام واقع كان حتى وقت قريب يُعد من المحرمات السياسية: التفكير الجدي في مستقبل أمني بدون الولايات المتحدة.
فالتوترات المتصاعدة عبر الأطلسي، وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، لم تعد مجرد خلافات تكتيكية، بل تحولت إلى هزة بنيوية تمس جوهر النظام الأمني الذي استقرت عليه القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا السياق، لم يعد سؤال: ماذا لو تخلت واشنطن عن أوروبا؟ ضربًا من الخيال السياسي، بل بات سيناريو مطروحًا بقوة داخل العواصم الأوروبية، يفرض إعادة النظر في التحالفات، ويفتح الباب أمام احتمالات جديدة، من بينها تقارب أوروبي صيني في لحظة اضطراب دولي غير مسبوقة.


من المحرم إلى الممكن: الناتو في مهب الريح

بحسب صحيفة «تليغراف» البريطانية، فإن مجرد التشكيك في التزام الولايات المتحدة بحلف شمال الأطلسي (ناتو) كان حتى وقت قريب خطًا أحمر لا يُتجاوز.
لكن منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تغيّر المشهد بالكامل.

فترامب لم يكتفِ بالتشكيك في جدوى الدفاع عن أوروبا، بل ضرب أساس الثقة التي قام عليها الأمن الأوروبي، خاصة بعد تهديده باستخدام القوة ضد دولة حليفة مثل الدنمارك على خلفية قضية غرينلاند، في سابقة غير معهودة داخل المعسكر الغربي.


أزمة وجودية أوروبية

على مدار ما يقرب من ثمانية عقود، اعتمدت أوروبا على المظلة الأمنية الأمريكية، ما سمح لدولها بتقليص الإنفاق العسكري والتركيز على بناء دولة الرفاه الاجتماعي.
لكن احتمال انسحاب واشنطن أو تقليص دورها الدفاعي يضع القارة اليوم أمام أزمة وجودية حقيقية: الدفاع عن النفس في مواجهة روسيا، لأول مرة منذ عام 1949.

ومن الناحية النظرية، لا تبدو أوروبا عاجزة:

  • اقتصاد أوروبي يفوق الاقتصاد الروسي بكثير

  • نحو 500 مليون نسمة مقابل 140 مليونًا في روسيا

  • قرابة مليوني جندي أوروبي نشط مقابل 1.3 مليون جندي روسي

  • تفوق عددي في الطائرات المقاتلة والسفن الحربية

لكن هذه الأرقام تخفي خلفها مشكلة جوهرية.


المعضلة: الاعتماد الحقيقي على واشنطن

رغم القدرات الظاهرة، يعتمد الناتو فعليًا على الولايات المتحدة في مفاصل حاسمة، تشمل:

  • الاستطلاع بالأقمار الصناعية

  • النقل العسكري الثقيل

  • التزود بالوقود جوًا

  • أنظمة القيادة والسيطرة

  • الردع النووي

ومن دون هذه القدرات، سيكون من الصعب على الجيوش الأوروبية خوض حرب طويلة أو عالية الكثافة، وهو ما يجعل الحديث عن استقلال أمني أوروبي معقدًا ومكلفًا.


غياب الإرادة السياسية

إلى جانب الفجوة العسكرية، تواجه أوروبا أزمة إرادة سياسية.
وقد لخص الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه الإشكالية بقوله إن أوروبا تكثر من النقاش حول المستقبل، لكنها تتجنب اتخاذ قرارات حاسمة اليوم، ما يجعلها قوة مجزأة بدل أن تكون لاعبًا عالميًا حقيقيًا.

ويرى خبراء عسكريون أن كثيرًا من القادة الأوروبيين لا يزالون في حالة إنكار سياسي، متمسكين بفكرة أن “الأمور ستبقى على ما يرام”، رغم كل المؤشرات المعاكسة.


ثلاثة أسئلة مصيرية

إذا اضطرت أوروبا للدفاع عن نفسها، فستواجه ثلاث قضايا كبرى:

  1. كيف يُعاد تنظيم الأمن الأوروبي؟

  2. من يقود هذا الجهد؟

  3. ما القدرات العسكرية التي يجب بناؤها؟

وبحسب «تليغراف»، قد يكون من الممكن الإبقاء على هيكل الناتو نفسه، لكن بقيادة أوروبية، مع استمرار مبدأ الدفاع الجماعي.


أزمة القيادة: من يملأ الفراغ الأمريكي؟

التحدي الأكبر يتمثل في القيادة.
فالولايات المتحدة لعبت لعقود دور القائد القادر على فرض الانضباط وحل الخلافات بين الحلفاء. وفي غيابها، لا تستطيع دولة أوروبية واحدة سد هذا الفراغ.

ويُطرح نموذج القيادة الجماعية كحل محتمل، تقوده:

  • ألمانيا: أكبر اقتصاد وأكبر ميزانية دفاعية أوروبية

  • فرنسا: قوة نووية برؤية استراتيجية مستقلة

  • بريطانيا: رغم تراجع نفوذها بعد بريكست واعتمادها على واشنطن

  • بولندا: قوة عسكرية صاعدة بإنفاق دفاعي مرتفع

  • فنلندا والسويد: خبرة واسعة في الدفاع الذاتي

  • أوكرانيا: جيش يمتلك خبرة قتالية حديثة غير مسبوقة


الصناعات الدفاعية: نقطة الضعف الأوروبية

تعاني أوروبا من تشتت صناعي خطير، إذ تشغّل نحو 174 نظام تسليح مختلفًا، مقابل 33 فقط لدى الولايات المتحدة.
هذا التعدد يرفع التكاليف ويضعف الكفاءة، ويجعل الإنفاق العسكري الأوروبي، رغم ضخامته، أقل فاعلية من نظيره الروسي.

ويحذر خبراء من أن الجيوش الأوروبية قد لا تصمد سوى أسابيع قليلة في حرب كبرى قبل نفاد الذخائر، ما يعني أن إعادة بناء القدرات الدفاعية ستتطلب:

  • استثمارات هائلة تمتد لعقود

  • احتمال تقليص الإنفاق الاجتماعي

  • وربما العودة إلى التجنيد الإجباري


الردع النووي.. معضلة أخطر

أخطر ما يواجه أوروبا هو ملف الردع النووي.
ففي حال انسحاب واشنطن، لن يبقى سوى بريطانيا وفرنسا بترسانتين نوويتين محدودتين مقارنة بروسيا، ما قد يدفعهما إلى:

  • توسيع الترسانات النووية

  • تطوير أسلحة نووية تكتيكية

  • البحث عن صيغ ردع بديلة

وهنا، يبرز سؤال حساس حول إمكانية البحث عن توازنات دولية جديدة، قد تشمل تقاربًا سياسيًا أو اقتصاديًا مع الصين، في محاولة لكسر العزلة الاستراتيجية.


روسيا تراقب.. والصين في الخلفية

يرى بعض الخبراء أن موسكو قد تفضل الانتظار، مستفيدة من الانقسام الأوروبي، بينما يحذر آخرون من أن روسيا قد تستغل الفرصة لمهاجمة دول البلطيق أو زعزعة الاستقرار داخل أوروبا.

وفي المقابل، تتابع بكين هذا المشهد بدقة، باعتباره فرصة محتملة لتعزيز حضورها في أوروبا، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا، في ظل تآكل الثقة الأوروبية بالولايات المتحدة.


مفترق طرق تاريخي

تقف أوروبا اليوم أمام منعطف تاريخي حاسم:
إما أن تتوحد، وتتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها، وتعيد صياغة تحالفاتها بجرأة، وربما تفتح قنوات تقارب أوسع مع الصين،
أو أن تستمر في التردد والانقسام، لتبقى قوة اقتصادية بلا وزن استراتيجي، معرضة للابتزاز والتهديد.

السنوات القليلة المقبلة لن تحدد فقط مستقبل الأمن الأوروبي، بل قد تعيد رسم خريطة التحالفات الدولية بأكملها.

عاجل
أوروبا على حافة التحول الاستراتيجي.. هل يدفع توتر الأطلسي القارة العجوز نحو تقارب صيني؟ * هدية قطر وذاكرة الخليج القديمة.. طائرة بوينغ 747 تعيد فتح ملف علاقة ترامب بالهدايا السيادية * الصراع الأمريكي الأوروبي في عهد ترامب.. ماذا يمكن أن تفعل أوروبا بين فرص الردع ومخاطر المواجهة؟ * الجهاز المصري للملكية الفكرية يفتح آفاق الاستثمار في الإبداع خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب * فبركة صور المشاهير تشتعل على الإنترنت.. من مي القاضي إلى ياسمين عبد العزيز وهيفاء وهبي في مرمى التشويه الرقمي * أسعار معدن الذهب اليوم في الأردن الجمعة 23 يناير 2026 تواصل الصعود بالدينار الأردني والدولار * سعر مثقال الذهب عيار 21 في العراق اليوم الجمعة 23 يناير 2026 يقفز مع صعود عالمي غير مسبوق * أسعار الذهب اليوم في السعودية الجمعة 23 يناير 2026 تقفز بقوة مع اختراق عالمي تاريخي * أسعار معدن الذهب اليوم في عمان الجمعة 23 يناير 2026 تواصل التحرك الصعودي بالريال العماني والدولار * أسعار الذهب اليوم في الإمارات الجمعة 23 يناير 2026 تواصل الصعود بالدرهم والدولار * أسعار معدن الذهب اليوم في الكويت الجمعة 23 يناير 2026 تسجل تحركات لافتة بالدينار الكويتي والدولار * الذهب في مصر اليوم الجمعة 23 يناير 2026 يشتعل.. قفزة تاريخية تقود الأسعار لأعلى مستوى على الإطلاق * بث مباشر مباريات اليوم الجمعة 23 يناير 2026.. الأهلي في اختبار أفريقي قوي وليلة أوروبية نارية حتى الفجر * انقسام الداخل الإسرائيلي يعود للواجهة.. توحّد الأحزاب العربية يربك حكومة اليمين بعد حرب غزة * واشنطن تشدد الخناق على طهران.. مقاتلات أمريكية وحاملات طائرات تعيد رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط * الذهب يحطم كل الأرقام القياسية.. 4900 دولار للأوقية تشعل الأسواق وتعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي *