أوباما يخرج عن صمته.. نتنياهو أراد الحرب مع إيران
أعاد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إشعال الجدل داخل الولايات المتحدة وخارجها، بعدما تحدث في مقابلة مع مجلة نيويوركر عن ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتكررة لدفع واشنطن نحو مواجهة عسكرية مع إيران. تصريحات أوباما لم تكن مجرد نقد سياسي عابر، بل بدت كأنها شهادة متأخرة على واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الأمريكية: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل التأثير في قرار الحرب داخل البيت الأبيض؟ فقد نقلت عدة وسائل إعلام عن أوباما قوله إن نتنياهو استخدم مع ترامب الحجج نفسها التي حاول استخدامها معه قبل أكثر من عقد، لدفع الولايات المتحدة إلى ضرب إيران.
لكن من المهم توضيح نقطة أساسية: النص المتداول على مواقع التواصل يضيف تعبيرات حادة مثل “مقاول اغتيالات” و“يقوده من أنفه”، وهي صياغات دعائية لا تظهر في المصادر التي اطلعت عليها بهذا اللفظ. الثابت صحفيًا أن أوباما قال إن نتنياهو ضغط بقوة باتجاه العمل العسكري ضد إيران، وإنه يشكك في أن ما حصل يصب في مصلحة إسرائيل أو الولايات المتحدة.
الفضيحة السياسية: هل حصل نتنياهو على ما أراد؟
بحسب تغطية “تايمز أوف إسرائيل”، قال أوباما إن نتنياهو نجح في إقناع ترامب بضرب إيران باستخدام الحجج نفسها التي عرضها عليه سابقًا، لكنه أضاف أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ذلك يخدم الشعب الإسرائيلي أو الولايات المتحدة فعلًا. هذه العبارة هي أخطر ما في الموقف، لأنها لا تهاجم نتنياهو فقط، بل تضع قرار الحرب نفسه تحت المراجعة الأخلاقية والاستراتيجية.
وهنا لا تبدو المسألة مجرد خلاف قديم بين أوباما ونتنياهو، بل صراع بين مدرستين: مدرسة أوباما التي راهنت على الاتفاق النووي والدبلوماسية، ومدرسة نتنياهو التي اعتبرت إيران خطرًا وجوديًا لا يكفي التعامل معه بالتفاوض. ترامب، وفق قراءة أوباما، منح نتنياهو ما رفضه هو خلال سنوات حكمه.
ترامب وقرار الحرب.. من “أمريكا أولًا” إلى مستنقع الشرق الأوسط
المفارقة أن ترامب عاد إلى السلطة رافعًا خطابًا ينتقد الحروب الطويلة والتدخلات المكلفة، لكنه وجد نفسه في قلب مواجهة ضخمة مع إيران. مجلة نيويوركر نشرت تحليلًا شديد القسوة اعتبر أن ترامب دخل المسار الإيراني بلا استراتيجية واضحة، مشيرة إلى أن اجتماعًا في غرفة العمليات يوم 11 فبراير ضم نتنياهو ومسؤولين أمريكيين كبار، حيث دفع نتنياهو باتجاه هجوم منسق على إيران، رغم تحفظات بعض مسؤولي الأمن القومي الأمريكي.

هذا المشهد، إذا صحّت تفاصيله كما أوردتها نيويوركر، يفتح سؤالًا خطيرًا: هل كان القرار الأمريكي نابعًا من تقدير مستقل للمصلحة الأمريكية، أم من قدرة نتنياهو على استغلال اندفاع ترامب وتقديم الحرب كحل سريع وحاسم؟
أوباما يحذر من تدمير صورة أمريكا
لم يتوقف أوباما عند انتقاد الحرب فقط، بل حذر من أن الولايات المتحدة تخاطر بإحداث ضرر كارثي عالمي إذا تخلت قيادتها عن قيم الكرامة الإنسانية وضبط النفس. وفي تعليقه غير المباشر على خطاب ترامب تجاه إيران، قال أوباما إن القيادة الأمريكية يجب أن تعكس اعتبارًا أساسيًا للكرامة الإنسانية داخل أمريكا وخارجها.
هذه النقطة مهمة لأنها تنقل القضية من حسابات عسكرية إلى أزمة صورة ومكانة. فأمريكا، في رؤية أوباما، لا تخسر فقط بسبب الصواريخ أو الكلفة الاقتصادية، بل تخسر عندما تبدو وكأنها تخلت عن القواعد التي طالما استخدمتها لتبرير قيادتها للعالم.
هل ورّط نتنياهو أمريكا لحماية نفسه سياسيًا؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية. لا توجد وثيقة علنية تثبت أن نتنياهو “استخدم” ترامب فقط لحماية مستقبله السياسي، لكن التحليل السياسي لا يستطيع تجاهل أن نتنياهو كان يواجه ضغوطًا داخلية عميقة، وأن الحرب مع إيران تمنحه مساحة لإعادة تعريف نفسه كقائد حرب لا كرئيس وزراء مأزوم.
نيويوركر أشارت في تحليلها إلى أن لحظة استهداف إيران منحت ترامب ونتنياهو معًا صورة “الانتصار”، كما ساعدت في حجب الأسئلة عن قانونية التدخل وكلفته. هذا لا يعني أن الدافع الوحيد كان البقاء السياسي، لكنه يعني أن الحسابات الداخلية الإسرائيلية والأمريكية تداخلت بقوة مع القرار العسكري.
هل أصبحت إسرائيل تتحكم في قرار الحرب الأمريكي؟
الأدق أن نقول: إسرائيل لا تتحكم وحدها في القرار الأمريكي، لكنها تمتلك قدرة ضغط وتأثير هائلة داخل واشنطن. هذه القدرة تظهر في لحظات الحرب أكثر من أي وقت آخر، خصوصًا عندما يكون الرئيس الأمريكي قابلًا للتأثر بخطاب القوة والحسم السريع.
تصريحات أوباما تكشف أن نتنياهو حاول الضغط على أكثر من إدارة أمريكية، لكنه لم ينجح بالدرجة نفسها مع الجميع. أوباما قاوم وذهب إلى الاتفاق النووي عام 2015، بينما ترامب انسحب من الاتفاق لاحقًا ثم انتهى إلى مواجهة عسكرية أوسع. هنا تكمن الفارقة: قوة الضغط الإسرائيلي ثابتة تقريبًا، لكن استجابة البيت الأبيض تختلف حسب الرئيس وفريقه وحساباته الداخلية.
شهادة حق أم محاولة لتبرئة الذات؟
تصريحات أوباما تحمل وجهين. من ناحية، يمكن اعتبارها شهادة سياسية مهمة من رئيس سابق عاش المواجهة مع نتنياهو من الداخل، ويدرك حجم الضغوط التي مورست عليه بشأن إيران. ومن ناحية أخرى، قد يراها خصومه محاولة لتأكيد صحة خياره القديم في الاتفاق النووي، وتبرئة نفسه من الانتقادات التي لاحقته بأنه كان “لينًا” مع طهران.
لكن مهما كان الدافع، فإن كلام أوباما يضع النقاش في مكانه الصحيح: هل كان ضرب إيران قرارًا أمريكيًا محسوبًا، أم اندفاعًا خدم أجندة نتنياهو أكثر مما خدم الأمن الأمريكي؟
وثيقة سياسية
تصريحات أوباما ليست مجرد “فضيحة” بالمعنى الشعبوي، لكنها وثيقة سياسية خطيرة تعيد فتح ملف العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في لحظة حرب. الثابت أن أوباما قال إن نتنياهو ضغط لسنوات باتجاه مواجهة عسكرية مع إيران، وإنه يرى أن نتنياهو حصل مع ترامب على ما كان يريده. أما العبارات المنتشرة التي تصور ترامب كأداة كاملة في يد نتنياهو، فهي صياغات تحليلية أو دعائية تحتاج إلى حذر ولا ينبغي تقديمها كاقتباس مباشر.
الأخطر في القصة أن أمريكا قد تجد نفسها مرة أخرى في مستنقع شرق أوسطي لم تكن مضطرة لدخوله، وأن إسرائيل نفسها قد تدفع ثمنًا كبيرًا إذا تحولت الحرب من أداة ردع إلى نار مفتوحة لا يعرف أحد كيف تنتهي.


