الثلاثاء، ١٢ مايو ٢٠٢٦ في ٠١:٢٦ م

أمريكا تنقلب على الوسيط الباكستاني.. اتهامات بإيواء طائرات إيرانية تشعل أزمة جديدة مع إسلام آباد

دخلت الوساطة الباكستانية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الحساسية، بعد تداول تتقارير أمريكية تتحدث عن اتهامات خطيرة لإسلام آباد بلعب دور مزدوج في الأزمة؛ فمن جهة تظهر كقناة دبلوماسية تسعى إلى التهدئة ووقف إطلاق النار، ومن جهة أخرى تتهمها تتقارير منسوبة لمسؤولين أمريكيين بأنها سمحت لطائرات عسكرية إيرانية بالتمركز داخل أراضيها، في خطوة قد تكون هدفت إلى حمايتها من ضربات أمريكية محتملة.

القضية التي فجّرها منشور متداول على صفحة داعمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتزامنت مع تصريحات حادة للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، تفتح بابًا جديدًا من الشكوك حول حياد باكستان في ملف الوساطة بين واشنطن وطهران، خاصة أن التتقارير تحدثت عن استخدام قاعدة نور خان الجوية الباكستانية من جانب طائرات إيرانية، بينها طائرة استطلاع من طراز RC-130، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن تقرير CBS.

تفاصيل الاتهام.. طائرات إيرانية في قاعدة نور خان

بحسب تتقارير إعلامية نقلت عن CBS News ومسؤولين أمريكيين، فإن إيران نقلت عدة طائرات عسكرية إلى باكستان بعد أيام من إعلان ترامب وقف إطلاق نار في أوائل أبريل 2026، بينها طائرة استطلاع مخصصة لجمع المعلومات، وذلك إلى قاعدة نور خان الجوية قرب إسلام آباد. ووفق هذه الرواية، فإن الخطوة ربما كانت تهدف إلى حماية أصول جوية إيرانية من ضربات أمريكية جديدة في حال انهيار التهدئة.

وتكمن خطورة هذه التفاصيل في توقيتها؛ فباكستان لم تكن طرفًا هامشيًا في المشهد، بل كانت تقدم نفسها كوسيط بين واشنطن وطهران، وتشارك في جهود تمرير الرسائل الدبلوماسية والمقترحات السياسية بين الجانبين، ما يجعل أي تسهيل عسكري لإيران، إذا ثبت، ضربة قوية لصورة الحياد الباكستاني.

ليندسي غراهام يحذر من “إعادة تقييم كاملة”

السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام دخل على خط الأزمة بتصريح شديد اللهجة، قال فيه إنه إذا كانت هذه التتقارير دقيقة، فإنها تتطلب “إعادة تقييم كاملة” للدور الذي تلعبه باكستان كوسيط بين إيران والولايات المتحدة وأطراف أخرى. ونُشر موقف غراهام عبر حسابه على منصة X، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول التقرير الأمريكي.

هذا التصريح لا يحمل فقط انتقادًا عابرًا، بل يمثل إنذارًا سياسيًا داخل واشنطن بأن باكستان قد تفقد ثقة بعض دوائر القرار الأمريكية إذا ثبت أنها منحت إيران مساحة آمنة لممتلكات عسكرية خلال لحظة توتر عسكري مباشر مع الولايات المتحدة.

لماذا تعد قاعدة نور خان شديدة الحساسية؟

قاعدة نور خان الجوية ليست موقعًا عاديًا؛ فهي واحدة من القواعد المعروفة في باكستان، وموقعها القريب من العاصمة يعطي أي تحرك داخلها دلالة سياسية وعسكرية كبيرة. لذلك فإن الحديث عن استقبال طائرات إيرانية فيها، إن صح، لا يمكن النظر إليه كخطوة فنية بسيطة، بل كرسالة أو ترتيب أمني له أبعاد تتجاوز مجرد “إيواء مؤقت”.

وإذا كانت الطائرات الإيرانية قد وصلت فعلًا إلى القاعدة بعد وقف إطلاق النار، فإن ذلك يطرح أسئلة صعبة: هل كانت باكستان تعلم أن هذه الطائرات قد تكون هدفًا أمريكيًا؟ وهل أبلغت واشنطن؟ وهل كان الأمر جزءًا من تفاهمات سرية، أم قرارًا باكستانيًا منفردًا لحماية علاقتها بطهران؟

باكستان ترفض الاتهامات وتصفها بالمضللة

في المقابل، رفضت باكستان هذه الاتهامات، ووصفت التتقارير التي تتحدث عن إيواء طائرات عسكرية إيرانية على أراضيها بأنها “تكهنات” و“مضللة”، وفق ما نقلت وسائل إعلام إقليمية ودولية. كما نفت إسلام آباد فكرة أنها كانت تحمي الطائرات الإيرانية من الضربات الأمريكية، مؤكدة ضمنيًا أن دورها في الأزمة لا يزال دبلوماسيًا.

هذا النفي مهم تحريريًا، لأن الرواية لم تتحول بعد إلى حقيقة مؤكدة بإعلان رسمي أمريكي كامل أو وثائق منشورة. لذلك تبقى القضية حتى الآن في منطقة الاتهامات والتتقارير الاستخباراتية والإعلامية، لكنها مع ذلك كافية لإشعال أزمة ثقة سياسية بين واشنطن وإسلام آباد.

الوسيط الباكستاني بين واشنطن وطهران.. دور معقد ومليء بالشكوك

منذ بداية التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، برزت باكستان باعتبارها إحدى القنوات التي يمكن أن تمر عبرها الرسائل بين الطرفين. وقد أشارت تتقارير سابقة إلى أن إسلام آباد لعبت دورًا في جهود التهدئة، وأن المقترحات المتعلقة بوقف إطلاق النار أو تمديده ارتبطت بوساطات باكستانية إلى جانب أطراف أخرى.

لكن الوساطة الباكستانية كانت دائمًا محكومة بحسابات صعبة؛ فباكستان لا تريد خسارة الولايات المتحدة، ولا تريد في الوقت نفسه الدخول في خصومة مفتوحة مع إيران، الدولة الجارة ذات الأهمية الأمنية والحدودية. ومن هنا تظهر معضلة “اللعب على الحبلين” التي تتهمها بها بعض الدوائر الأمريكية الآن.

هل كانت إيران تحاول حماية سلاحها الجوي؟

إذا صحت الرواية الأمريكية، فإن نقل طائرات إيرانية إلى الأراضي الباكستانية يمكن تفسيره كجزء من استراتيجية إيرانية لحماية ما تبقى من قدراتها الجوية والاستخباراتية من ضربات محتملة. فالطائرات العسكرية، خصوصًا طائرات الاستطلاع وجمع المعلومات، تعد أصولًا ثمينة يصعب تعويضها سريعًا في زمن الحرب.

وبهذا المعنى، فإن استخدام قاعدة خارجية قد يمنح إيران مساحة أمان مؤقتة، خاصة إذا كان الطرف المضيف يرفع شعار الوساطة والحياد. لكن هذه الخطوة، إذا ثبتت، تضع باكستان في موقف محرج للغاية، لأنها تتحول من “وسيط” إلى طرف متهم بتوفير عمق آمن لأحد أطراف الصراع.

كيف تنظر واشنطن إلى “اللعبة المزدوجة”؟

المنشور المتداول على صفحة داعمة لترامب استخدم لغة حادة تتحدث عن “فضح اللعبة المزدوجة” في باكستان، وهي صياغة تعكس المزاج المتصاعد داخل بعض الدوائر الأمريكية: لم يعد السؤال فقط هل تستطيع باكستان التوسط؟ بل هل يمكن الوثوق بها أصلًا؟

هذه اللغة تخدم سردية سياسية واضحة داخل واشنطن، تقول إن الإدارة الأمريكية لا يجب أن تمنح دور الوسيط لطرف قد يكون قريبًا من طهران أو مستعدًا لمساعدتها ميدانيًا. وإذا تصاعد هذا الخطاب، فقد يؤثر على ملفات أوسع بين واشنطن وإسلام آباد، بما في ذلك المساعدات العسكرية، التعاون الاستخباراتي، والملف الأفغاني.

التأثير المحتمل على مفاوضات إيران

أي تشكيك في حياد باكستان قد يربك مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، لأن الوسيط لا ينجح إلا إذا امتلك قدرًا من الثقة لدى الطرفين. وإذا بدأت واشنطن تشعر أن إسلام آباد لا تنقل الرسائل فقط، بل تساعد إيران على حماية أصولها العسكرية، فإن دور باكستان قد يتراجع لصالح وسطاء آخرين مثل قطر أو سلطنة عمان أو تركيا.

وفي المقابل، قد ترى إيران أن الهجوم الأمريكي على باكستان محاولة لإضعاف قناة تواصل مفيدة لها، أو لتقليل مساحة المناورة الدبلوماسية أمام طهران. وهنا قد تتحول أزمة الطائرات إلى أداة ضغط داخل حرب الروايات بين الطرفين.

القراءة السياسية.. باكستان في مأزق الثقة

الأزمة تكشف مأزقًا باكستانيًا عميقًا. فإسلام آباد تريد الاستفادة من دور الوسيط لتعزيز مكانتها الدولية، لكنها تتحرك في بيئة شديدة الخطورة. أي خطوة تُفهم على أنها انحياز لإيران قد تستفز واشنطن، وأي انحياز واضح لأمريكا قد يخلق توترًا مع طهران، خاصة أن الجغرافيا تجعل العلاقة مع إيران ملفًا أمنيًا مباشرًا لا يمكن تجاهله.

وبالتالي، فإن أخطر ما تواجهه باكستان الآن ليس فقط الاتهام بإيواء الطائرات، بل فقدان “صورة الحياد”. فالوسيط يمكن أن ينجو من خلاف سياسي، لكنه لا ينجو بسهولة من اتهام بأنه وفر غطاءً عسكريًا لأحد الأطراف.

هل تقطع واشنطن الطريق على الوساطة الباكستانية؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات نهائية على أن واشنطن قررت رسميًا إسقاط الدور الباكستاني بالكامل، لكن تصريحات غراهام تضغط باتجاه مراجعة سياسية. وإذا توسعت القضية داخل الكونغرس أو خرجت معلومات إضافية من أجهزة الاستخبارات، فقد تجد إدارة ترامب نفسها مضطرة لتقليل الاعتماد على إسلام آباد كقناة تفاوض.

وفي هذه الحالة، قد تنتقل الوساطة إلى أطراف أكثر قبولًا أمريكيًا، أو قد تصبح المفاوضات أكثر تعقيدًا إذا رأت إيران أن القنوات المتبقية أقل قدرة على نقل شروطها.

طائرات إيرانية في قاعدة نور خان باكستان

تضع اتهامات إيواء طائرات إيرانية في قاعدة نور خان باكستان أمام اختبار صعب. فالدولة التي حاولت تقديم نفسها كوسيط بين واشنطن وطهران تجد نفسها الآن متهمة داخل واشنطن بلعب دور مزدوج: التحدث عن السلام من جهة، وتوفير ملاذ آمن لطائرات إيرانية من جهة أخرى.

ورغم نفي باكستان ووصفها التتقارير بأنها مضللة، فإن مجرد طرح هذه الاتهامات من مصادر إعلامية أمريكية وتفاعل شخصيات مثل ليندسي غراهام معها يعني أن الثقة في الوسيط الباكستاني تعرضت لهزة قوية. وبين الحرب العسكرية والحرب الدبلوماسية، يبدو أن ملف إيران فتح جبهة جديدة، هذه المرة بين واشنطن وإسلام آباد، عنوانها الكبير: هل كانت باكستان وسيطًا محايدًا أم لاعبًا مزدوجًا في واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط؟

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.