منذ عام 2011، ومع حالة الانفلات العمراني والفراغ الإداري الذي صاحب تحولات كبرى شهدتها الدولة، بدأت ظاهرة الكلاب الضالة في التمدد بصمت داخل الشارع المصري، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى أزمة صحية وأمنية واجتماعية متفاقمة، لا تزال تُدار بردود أفعال جزئية، دون حلول جذرية واقعية قادرة على احتواء الخطر.
اليوم، تعود هذه الأزمة إلى الواجهة مجددًا، ولكن بلغة الأرقام الرسمية هذه المرة، بعدما كشف تقرير صادر عن قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة المصرية عن تسجيل أكثر من مليون و200 ألف حالة عقر وخدش من الحيوانات خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر 2025 فقط، في رقم وصفه متخصصون بأنه “جرس إنذار صحي خطير”.
أرقام صادمة تعكس اتساع دائرة الخطر
التقرير الرسمي أظهر ارتفاعًا مقلقًا في معدلات التعرض للعقر والخدش، بما يعكس استمرار الانتشار العشوائي للكلاب الضالة وتزايد احتمالات الإصابة بداء الكلب “السعار”، أحد أخطر الأمراض الفيروسية القاتلة التي تقترب نسبة الوفاة بها من 100% حال عدم التدخل العلاجي السريع.
ووفق البيانات، تصدّرت محافظات القاهرة والجيزة والبحيرة قائمة المناطق الأعلى تسجيلًا للحالات، حيث استحوذت القاهرة وحدها على نحو 15% من إجمالي الحالات، تلتها الجيزة بنسبة تقارب 10%، بينما سجلت محافظات مثل البحيرة وبني سويف وأسيوط معدلات مرتفعة نسبيًا، ما يعكس انتقال الظاهرة من نطاق المدن الكبرى إلى عمق الريف والوجه القبلي والبحري.

لماذا تتفاقم الأزمة؟
أرجع التقرير هذا الارتفاع الحاد إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
-
الكثافة السكانية العالية في المدن الكبرى.
-
اتساع المناطق العشوائية وغير المخططة التي تفتقر لآليات الرقابة البيئية.
-
التكاثر غير المسيطر عليه للحيوانات الضالة في الشوارع والأحياء الشعبية.
-
ضعف استدامة برامج الترصد والتحصين الشامل.
-
غياب حلول طويلة المدى توازن بين البعد الصحي والاعتبارات البيئية والإنسانية.
ويشير خبراء الصحة العامة إلى أن ما بعد 2011 شهد تراجعًا واضحًا في التعامل المنهجي مع الظاهرة، حيث تم الاكتفاء بحملات موسمية متقطعة لا تواكب حجم المشكلة ولا تمنع إعادة إنتاجها.
السعار.. المرض الصامت القاتل
تُعد حالات العقر والخدش، خصوصًا من الكلاب الضالة، المدخل الأخطر للإصابة بداء الكلب “السعار”، وهو مرض فيروسي يصيب الجهاز العصبي وينتهي بالوفاة الحتمية تقريبًا حال ظهور الأعراض دون علاج فوري.
وتؤكد وزارة الصحة أن مصر تسجل سنويًا أرقامًا مرتفعة مقارنة بالمتوسطات العالمية، ما يضعها ضمن الدول ذات العبء الأعلى لخطر السعار البشري، وهو تصنيف يحمل أبعادًا صحية واقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة.

توصيات رسمية.. ولكن هل تكفي؟
قطاع الطب الوقائي شدد في تقريره على ضرورة التحرك العاجل عبر:
-
تكثيف حملات رصد وتحصين الكلاب.
-
ضمان توافر الأمصال المضادة للسعار في جميع المنشآت الصحية.
-
توسيع برامج التوعية المجتمعية بمخاطر التعامل مع الحيوانات الضالة.
-
تفعيل دور الإدارات المحلية في السيطرة البيئية المستدامة.
-
الاعتماد على الرصد الدوري وتحليل البيانات لتوجيه الموارد للمناطق الأكثر تضررًا.
ورغم أهمية هذه التوصيات، يرى مختصون أن غياب استراتيجية وطنية شاملة، تقوم على إدارة بيئية متكاملة تشمل التعقيم، الإيواء، والتشريع الرادع، يجعل الأزمة قابلة للتفاقم مهما ارتفعت وتيرة التحذيرات.
أزمة تتجاوز الصحة إلى الأمن المجتمعي
لم تعد ظاهرة الكلاب الضالة مجرد قضية بيطرية أو صحية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن المجتمعي، خاصة مع تكرار حوادث العقر للأطفال وكبار السن، وتزايد حالة الذعر في الشوارع، فضلًا عن الأعباء الاقتصادية الباهظة التي تتحملها الدولة في توفير الأمصال والعلاج الطارئ.
ويبقى السؤال مطروحًا:
هل تتحول هذه الأرقام الصادمة إلى نقطة انطلاق لحل جذري طال انتظاره؟
أم تستمر الأزمة في الدوران داخل حلقة التحذير دون مواجهة حقيقية، بينما يظل الشارع المصري هو الخاسر الأكبر؟


