الاثنين، ٥ يناير ٢٠٢٦ في ١١:٤٦ م

أزمة واختبار مصيري لحلف الناتو :تحذير دنماركي غير مسبوق من سيناريو «فنزويلا»

 أطلقت الدنمارك تحذيرًا غير مسبوق للولايات المتحدة ردًا على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضم غرينلاند، معتبرة أن أي اعتداء على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي سيقود إلى انهيار كامل للنظام الأمني الدولي القائم منذ أكثر من سبعة عقود.

هذا التصعيد السياسي والدبلوماسي أعاد إلى الواجهة مخاوف أوروبية عميقة من انتقال الولايات المتحدة إلى سياسة «فرض الأمر الواقع بالقوة»، خصوصًا بعد التدخل العسكري الأمريكي الأخير في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما اعتبرته عواصم أوروبية سابقة خطيرة تهدد مفهوم السيادة ذاته.


«الهجوم سينهي كل شيء»

قالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن إن مهاجمة دولة عضو في الناتو تعني «نهاية كل شيء، بما في ذلك الحلف نفسه»، محذّرة من أن أي انزلاق عسكري أمريكي محتمل سيشكل خطرًا وجوديًا على الأمن الأوروبي والعالمي.

وأكدت فريدريكسن أن الوضع «خطير للغاية»، مشيرة إلى أن كوبنهاغن ستستخدم كل أدواتها السياسية والدبلوماسية لمنع تحول الخلاف حول غرينلاند إلى صدام عسكري ينسف أسس الردع الجماعي والتحالف الغربي.

     مته فريدريكسن ودونالد ترامب


غرينلاند ترد: «هذا يكفي»

من جانبه، وجّه رئيس وزراء غرينلاند فريدريك نيلسن رسالة مباشرة إلى واشنطن، قال فيها: «هذا يكفي. لا مزيد من الضغوط ولا التلميحات ولا أوهام الضم»، مؤكدًا أن الجزيرة منفتحة على الحوار، لكن «عبر القنوات الصحيحة ووفق القانون الدولي».

وشدد نيلسن على أن مستقبل غرينلاند وتقرير مصيرها «قرار يخص شعبها وحده»، في موقف يعكس تصاعد النزعة الرافضة لأي وصاية أو إعادة إنتاج لسياسات الهيمنة.


شبح فنزويلا يطارد أوروبا

أعاد التدخل الأمريكي في فنزويلا إلى الواجهة هواجس أوروبية قديمة حول إمكانية استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف جيوسياسية واقتصادية، بعيدًا عن القانون الدولي. وترى عواصم أوروبية أن تكرار هذا السيناريو في غرينلاند سيعني انتقال الصراع من أطراف النظام الدولي إلى قلب التحالف الغربي نفسه.

وكان ترامب قد صرّح بأن الولايات المتحدة «تحتاج إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي»، مشككًا في قدرة الدنمارك على تأمين المنطقة القطبية الشمالية، ومؤكدًا أن واشنطن ستعيد بحث الملف خلال أسابيع قليلة.


الدنمارك: الأمن ليس مهملًا

رفضت كوبنهاغن هذه المزاعم، وأعلنت أنها خصصت نحو 90 مليار كرونة دنماركية لتعزيز الأمن في القطب الشمالي خلال عام 2025، مؤكدة أن المنطقة ليست مهملة كما يُصوَّر في الخطاب الأمريكي.

وسارعت عدة دول أوروبية، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، لإعلان دعمها الصريح للدنمارك، مع التأكيد على مبدأ احترام السيادة وسلامة الأراضي. كما شدد قادة بريطانيا وفرنسا ودول الشمال الأوروبي على أن تقرير مصير غرينلاند «حق حصري لشعبها والدنمارك».


ثروات استراتيجية وموقع بالغ الحساسية

                  Pituffik Space Base - Wikipedia

تُعد غرينلاند من أغنى مناطق العالم بالمعادن الأرضية النادرة، كما تكتسب أهمية متزايدة مع ذوبان الجليد وفتح طرق ملاحة جديدة في القطب الشمالي. وتتمتع الجزيرة أيضًا بموقع استراتيجي بالغ الحساسية، كونها أقصر مسار للصواريخ بين روسيا والولايات المتحدة، فضلًا عن وجود قاعدة عسكرية أمريكية تاريخية على أراضيها.

هذه المعطيات تجعل من غرينلاند نقطة تقاطع بين الأمن والطاقة والاقتصاد، وتفسر حدة التنافس الدولي حولها في ظل تحولات النظام العالمي.


الصين تدخل على الخط

في موازاة التصعيد، دعت الصين الولايات المتحدة إلى التوقف عن استخدام «التهديد الصيني» ذريعة لتحقيق مكاسب جيوسياسية، بينما اتهمت نائبة تمثل غرينلاند في البرلمان الدنماركي ترامب بـ«نشر الأكاذيب» حول الوجود الصيني والروسي في مياه الجزيرة.


صدمة في الشارع الدنماركي

في شوارع كوبنهاغن، عبّر مواطنون عن صدمتهم من تصريحات ترامب، معتبرين أن الحديث عن ضم غرينلاند «غير عقلاني» ولا يمكن مقارنته بأي سابقة دولية حديثة. وتفاقم التوتر نهاية الأسبوع بعد نشر مستشارة ترامب السابقة كايتي ميلر صورة لغرينلاند بألوان العلم الأمريكي مرفقة بكلمة «قريبًا»، ما دفع الحكومة الدنماركية إلى مطالبة واشنطن بالكف عن تهديد حليفتها التاريخية.


اختبار وجودي للناتو

يرى مراقبون أن أزمة غرينلاند تجاوزت كونها خلافًا جغرافيًا أو سياسيًا، لتتحول إلى اختبار وجودي لحلف الناتو نفسه:
هل يبقى الحلف إطارًا للدفاع الجماعي واحترام سيادة أعضائه؟ أم ينزلق إلى مرحلة تفكك داخلي إذا ما فُرض منطق القوة حتى بين الحلفاء؟

الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل النظام الدولي في العقود المقبلة.

الكلمات المفتاحية:
عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.