شهدت منصات التواصل الاجتماعي والشارع السكندري خلال الأيام الأخيرة موجة غضب واسعة، على خلفية ما بات يُعرف بـ"أزمة مستشفى الشاطبي الجامعي للنساء والتوليد" التابع لجامعة الإسكندرية، وسط اتهامات بوجود ممارسات غير إنسانية داخل بعض أقسام المستشفى، خاصة غرف المخاض والعمليات.
وانطلقت الأزمة بعد تداول شهادات من طبيبات ومريضات تحدثن عن وقائع وصفت بأنها صادمة، تضمنت اتهامات بالإهمال الطبي، والتعامل اللفظي الجاف، وغياب الدعم النفسي للأمهات أثناء الولادة، وهو ما أشعل نقاشاً مجتمعياً واسعاً حول واقع الخدمات داخل المستشفيات الجامعية الحكومية.
شهادات صادمة واتهامات بالإهمال وسوء المعاملة
وفقاً للشهادات المتداولة، فإن بعض السيدات اللاتي خضعن للولادة داخل المستشفى أشرن إلى تعرضهن لتعامل قاسٍ من بعض أطقم التمريض وأطباء النساء والتوليد، شمل رفع الصوت، والتوبيخ اللفظي، وغياب الحد الأدنى من التعاطف الإنساني خلال لحظات المخاض.
كما تضمنت الاتهامات وجود إهمال في متابعة الحالات، وعدم تقديم الدعم الكافي أثناء الألم الشديد الذي تمر به الأمهات، وهو ما اعتبره متابعون تقصيراً يمس جوهر الخدمة الطبية المقدمة داخل أحد أكبر المستشفيات الجامعية بالإسكندرية.
المستشفى تحت المجهر وتحركات رسمية عاجلة
ومع تصاعد حدة الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، دخلت الأزمة دائرة الاهتمام الرسمي، حيث بدأت جامعة الإسكندرية ونقابة الأطباء في اتخاذ خطوات أولية لفتح تحقيقات موسعة وشفافة للوقوف على حقيقة ما جرى داخل أقسام النساء والتوليد.
ويأتي ذلك في وقت يستقبل فيه مستشفى الشاطبي آلاف الحالات سنوياً من الإسكندرية والمحافظات المجاورة، باعتباره أحد أبرز المستشفيات الجامعية التي تقدم خدمات مجانية أو منخفضة التكلفة، ما زاد من حساسية القضية واتساع نطاق النقاش حولها.
بعد نفسي خطير.. خبراء يحذرون من آثار ممتدة على الأمهات
في سياق متصل، وصف عدد من أساتذة الطب النفسي ما يتم تداوله بأنه يحمل أبعاداً نفسية خطيرة تتجاوز حدود سوء المعاملة التقليدي، مؤكدين أن مرحلة الولادة تمثل لحظة شديدة الحساسية في حياة المرأة تحتاج إلى دعم نفسي متكامل.
وقال أحد أساتذة الطب النفسي بجامعة الإسكندرية إن ما تم رصده من شهادات يعكس خللاً في أسلوب التعامل داخل غرف الولادة، موضحاً أن الأم في هذه اللحظات تكون في أقصى درجات الضعف الجسدي والنفسي، وتحتاج إلى الطمأنينة والدعم لا إلى التوبيخ أو التعامل الجاف.
وأشار إلى أن غياب هذا البعد الإنساني قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية لاحقة مثل اكتئاب ما بعد الولادة، والقلق، وحتى الخوف من تكرار تجربة الحمل والولادة.
“التعذيب النفسي” وانتهاك الكرامة داخل غرف الولادة
من جانبه، اعتبر أستاذ آخر في الطب النفسي أن بعض التجارب الموصوفة، إذا ثبتت، قد ترقى إلى ما يمكن وصفه بـ"التعذيب النفسي"، مشيراً إلى أن منع المرأة من التعبير عن ألمها أو التعامل معها بحدة أثناء المخاض يمثل انتهاكاً لكرامتها الإنسانية.
وأوضح أن الأثر النفسي لهذه التجارب قد يمتد لسنوات، حيث تعاني بعض السيدات من اضطرابات ما بعد الصدمة، وكوابيس متكررة، واسترجاع مؤلم لتفاصيل الولادة، إضافة إلى انعكاسات سلبية على علاقتهن بأطفالهن وأسرهن.
وأكد أن الإهمال وغياب الخصوصية داخل غرف الولادة، خاصة مع وجود أعداد كبيرة من الأطباء والطلاب، يزيد من حدة الصدمة النفسية لدى المريضات.
دعوات للإصلاح.. خطة لإنقاذ الوضع داخل المستشفى
في ظل تصاعد الأزمة، برزت دعوات لوضع خطة إصلاح شاملة داخل مستشفى الشاطبي، تقوم على معالجة أوجه القصور المؤسسي والسلوكي، وليس الاكتفاء بالإجراءات المؤقتة أو الدفاعية.
وتضمنت المقترحات المطروحة ضرورة تعزيز الرقابة الإدارية داخل الأقسام الطبية، وإنشاء آليات واضحة لتلقي الشكاوى بشكل مباشر وآمن، مع ضمان سرية مقدميها.
كما دعت التوصيات إلى إدخال برامج تدريب إلزامية للأطباء وأطقم التمريض، تركز على مهارات التواصل الإنساني، والدعم النفسي للمرضى، وأخلاقيات التعامل داخل غرف العمليات.
تحسين بيئة العمل ومحاسبة المخالفين
وشددت المقترحات أيضاً على أهمية إعادة النظر في توزيع ضغط العمل على الأطباء لتقليل معدلات الإرهاق الوظيفي، الذي قد ينعكس سلباً على جودة التعامل مع المرضى.
وفي السياق ذاته، طُرحت مطالب بتطبيق صارم لمبدأ الثواب والعقاب، بحيث يتم محاسبة أي تجاوزات مثبتة، سواء كانت لفظية أو سلوكية، مع ضمان عدم تكرارها مستقبلاً.
خاتمة: بين الأزمة وفرصة الإصلاح
تضع أزمة مستشفى الشاطبي الجامعي للنساء والتوليد المنظومة الصحية أمام اختبار حقيقي، بين ضرورة كشف أوجه القصور ومعالجتها، وبين الحفاظ على ثقة المواطنين في المستشفيات الحكومية.
ويرى مراقبون أن التعامل الجاد مع هذه الأزمة قد يشكل نقطة تحول مهمة نحو تحسين جودة الرعاية الصحية، وإعادة بناء بيئة أكثر إنسانية وأماناً للمرضى، خاصة في أكثر اللحظات حساسية مثل لحظات الولادة.


