أزمة تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة الحسم الصعب
تشهد الساحة السياسية العراقية حالة من التوتر المتصاعد داخل قوى الإطار التنسيقي، بسبب الخلافات المستمرة حول توزيع الحقائب الوزارية في الحكومة الجديدة، في وقت تتسارع فيه الاستعدادات لتقديم التشكيلة الحكومية إلى مجلس النواب خلال الأيام المقبلة. وتكشف المعطيات المتداولة أن رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي توصل مع الإطار التنسيقي إلى اتفاق مبدئي يقضي بتقديم التشكيلة إلى البرلمان يوم الأحد المقبل، إلا أن القائمة الوزارية ما تزال غير مكتملة حتى الآن، بعدما تم تسمية 15 وزيرًا فقط حتى أمس الثلاثاء، مع بقاء عدد من الوزارات الحساسة محل خلاف.
وتعكس هذه الأزمة عمق التعقيدات التي تحكم المشهد العراقي، حيث تتداخل الحسابات الحزبية مع التوازنات الطائفية والقومية، بينما تحاول كل كتلة سياسية ضمان أكبر قدر ممكن من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا في الوزارات السيادية والاقتصادية التي تتحكم في المال والطاقة والقرار التنفيذي.
النفط والمالية في قلب الصراع داخل المكون الشيعي
أبرز نقاط الخلاف تتركز داخل المكون الشيعي نفسه، وتحديدًا بين قوى الإطار التنسيقي، حول الوزارات ذات الطابع السيادي أو الاقتصادي، وعلى رأسها وزارة النفط ووزارة المالية. وتحوّلت الوزارتان إلى محور تنافس بين قوى رئيسية، من بينها تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وحركة صادقون بزعامة قيس الخزعلي، وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي.
وتنبع حساسية وزارة النفط من كونها الشريان الرئيسي للاقتصاد العراقي، بينما تمثل وزارة المالية مركز الثقل في إدارة الإنفاق العام والسياسات الاقتصادية. ولذلك فإن الصراع عليها لا يبدو مجرد خلاف على منصب وزاري، بل معركة نفوذ داخل بنية الدولة ومفاصل القرار المالي.
دخول كتلة السوداني يزيد تعقيد المشهد
زاد المشهد تعقيدًا مع دخول ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السوداني على خط التنافس بشأن وزارة النفط، بعدما احتل المركز الأول في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر 2025. وبحسب المصادر، حصلت كتلة الإعمار والتنمية على خمس حقائب وزارية في الحكومة المقبلة، من بينها وزارة سيادية مهمة.
هذا الدخول يعكس تغيرًا في موازين القوة داخل البيت الشيعي، إذ لم تعد المنافسة محصورة بين القوى التقليدية داخل الإطار، بل أصبحت تشمل كتلة انتخابية صاعدة تسعى إلى ترجمة نتائجها البرلمانية إلى نفوذ وزاري مباشر.

مشاورات تشكيل الحكومة العراقية
اجتماع مرتقب لحسم الخلافات
في محاولة لاحتواء الأزمة، كشفت المصادر عن اجتماع مرتقب لقادة الإطار التنسيقي في مكتب زعيم تحالف الأساس العراقي والقيادي في الإطار محسن المندلاوي، لبحث تشكيل الحكومة وحسم الخلافات بشأن توزيع الوزارات والهيئات الحكومية. كما أشارت المصادر إلى أن المندلاوي، الحاصل على 8 مقاعد في البرلمان، يطالب بإسناد منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات له.
ويبدو أن الاجتماع يحمل أهمية كبيرة، لأن فشل القوى السياسية في التوصل إلى تسوية قبل عرض الحكومة على البرلمان قد يضع التشكيلة أمام خطر التأجيل أو السقوط السياسي، خاصة في ظل عدم اكتمال بعض الأسماء حتى الآن.
توزيع الحقائب وفق المقاعد البرلمانية
بحسب القيادي في الإطار وعضو اللجنة التفاوضية بشأن تشكيل الحكومة عباس البياتي، فإن توزيع الوزارات يتم وفقًا لحجم التمثيل البرلماني لكل مكون، مشيرًا إلى أن الإطار التنسيقي يمتلك 189 مقعدًا في البرلمان، ما يمنحه 13 وزارة ضمن التشكيلة الحكومية. وأضاف أن المكون السني، الذي يمتلك 76 مقعدًا، سيحصل على 5 وزارات، بينما ينال المكون الكردي 4 مناصب وزارية، إضافة إلى وزارة واحدة مخصصة للأقليات.
ويكشف هذا التوزيع عن استمرار منطق المحاصصة السياسية في إدارة تشكيل الحكومات العراقية، حيث لا تزال الحقائب تُوزع وفق المكونات والكتل، أكثر مما تُبنى على اعتبارات الكفاءة والبرنامج التنفيذي.
مسودة توزيع الحقائب الوزارية
وفق المسودة الأولية التي جرى تداولها، تشمل حصة المكون الشيعي وزارات: التربية، الداخلية، النفط، الصناعة، الزراعة، المالية، الاتصالات، الشباب والرياضة، الكهرباء، العمل والشؤون الاجتماعية، الصحة، النقل، الثقافة. أما حصة المكون السني فتضم: التعليم العالي، التجارة، الموارد المائية، الدفاع، التخطيط. فيما تشمل حصة المكون الكردي: الخارجية، الإسكان والإعمار، البيئة، العدل، على أن تكون وزارة الهجرة والمهجرين من حصة المكون المسيحي، وقد حُسمت لصالح المرشح أسوان الكلداني.
ورغم وضوح هذه المسودة نسبيًا، فإنها لا تعني انتهاء الأزمة، لأن الخلاف لا يزال قائمًا حول تصنيف بعض الوزارات، وخصوصًا الوزارات التي تقع ضمن الفئة “أ” و”ب” و”ج”، بحسب أهميتها وتأثيرها المالي والإداري.
أزمة وزارة التخطيط تشعل خلافًا جديدًا
برزت وزارة التخطيط كإحدى أبرز نقاط الخلاف الجديدة، إذ يطالب المكون السني بالحصول عليها، بينما لا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت وزارة سيادية أم خدمية. وهذا التصنيف ليس تفصيلًا شكليًا، لأنه يحدد طبيعة الجهة السياسية التي ستؤول إليها، ويؤثر في توازن توزيع الوزارات بين المكونات.
وتشير هذه الأزمة إلى أن الخلافات داخل عملية التشكيل ليست محصورة في أسماء الوزراء فقط، بل تمتد إلى تعريف قيمة كل حقيبة وزارية وموقعها في سلّم النفوذ السياسي والاقتصادي.
البرلمان ينتظر البرنامج الحكومي
في المقابل، أعلن رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي أن البرلمان سيتسلم اليوم أو غدًا البرنامج الحكومي المقدم من رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، تمهيدًا لقراءته والتصويت عليه خلال جلسة رسمية مرتقبة. وأكد الحلبوسي أن المجلس سيبدأ الإجراءات الدستورية الخاصة بالبرنامج فور تسلمه، في خطوة تمهد لعرض الحكومة الجديدة على التصويت.
لكن هذا المسار الدستوري لا يعني أن التمرير سيكون سهلًا، لأن الخلافات السياسية قد تعرقل النصاب أو تدفع بعض الكتل إلى تعطيل الجلسة، خصوصًا إذا لم تحصل على الضمانات التي تريدها قبل التصويت.
هل تمر حكومة علي الزيدي؟
يرى المراقب والمحلل السياسي زكي مكي الحلفي أن تمرير الحكومة داخل البرلمان الأسبوع المقبل يبدو مستبعدًا في ظل التجاذبات والخلافات القائمة بين المكونات السياسية. وأضاف أن هناك عاملًا آخر يزيد الموقف تعقيدًا، وهو نية نحو 140 نائبًا السفر إلى السعودية لأداء مناسك الحج، ما قد يجعل تحقيق النصاب القانوني للتصويت على الحكومة أمرًا صعبًا.
كما أشار الحلفي إلى خلاف بين الإطار التنسيقي والحزب الديمقراطي الكردستاني، بعدما طالب الإطار بالحصول على وزارة الخارجية مقابل منح الكرد وزارة المالية، وهو الطرح الذي رفضته كتلة صادقون بزعامة قيس الخزعلي، لأن وزارة المالية من حصتها.
مشهد عراقي مفتوح على التأجيل
كل هذه المعطيات تجعل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة مفتوحًا على أكثر من احتمال. فإما أن تنجح القوى السياسية في إنتاج تسوية سريعة قبل جلسة التصويت، وإما أن يتم تمرير الحكومة جزئيًا مع تأجيل بعض الحقائب الحساسة، وإما أن تدخل العملية في جولة جديدة من التعطيل والتفاوض.
والأرجح أن الوزارات السيادية والاقتصادية ستظل محور الأزمة حتى اللحظة الأخيرة، لأن كل طرف يدرك أن النفوذ الحقيقي داخل الحكومة لا يُقاس بعدد الحقائب فقط، بل بنوعيتها، وحجم تأثيرها في المال والطاقة والخدمات.
المحاصصة، والصراع على الوزارات السيادية
تعكس أزمة تشكيل حكومة علي الزيدي حجم التعقيد السياسي في العراق، حيث لا تزال المحاصصة، والصراع على الوزارات السيادية، وتوازنات المكونات، تتحكم في مسار تشكيل الحكومات. وبين خلافات النفط والمالية والتخطيط، ومحاولات الإطار التنسيقي حسم توزيع الحصص، يبدو المشهد مفتوحًا على مزيد من الشد والجذب، فيما ينتظر البرلمان حكومة لم تكتمل ملامحها النهائية بعد.


