الصباح اليوم
بوابة الصباح اليوم

أسرار السياسة

هل ما تزال واشنطن «دولةً مضيفة صالحة» للأمم المتحدة؟ قراءة قانونية وسياسية بعد قرار رفض تأشيرات الوفد الفلسطينييضع أهليتها لاستضافة الأمم المتحدة على المحك

الامم المتحدة
-

أثار قرار وزارة الخارجية الأمريكية رفض منح تأشيرات للرئيس الفلسطيني محمود عباس وعدد من كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، موجة استياء واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية. القرار لم يُنظر إليه على أنه مجرد إجراء إداري، بل اعتبره كثيرون دليلاً جديدًا على الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل، وإصرار واشنطن على استخدام نفوذها لعرقلة أي حضور فلسطيني فاعل على الساحة الدولية.

القرار الأمريكي وتداعياته

بحسب بيان الخارجية الأمريكية، فإن القيود شملت الرئيس عباس وعددًا من مسؤولي منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، ما قد يمنعهم من إلقاء كلمتهم أمام الجمعية العامة في نيويورك، بينما استثنيت بعثة فلسطين الدائمة لدى الأمم المتحدة من المنع.
هذا القرار يأتي بعد أسابيع قليلة من فرض عقوبات أمريكية على شخصيات فلسطينية بارزة، ما يعكس تصعيدًا منهجيًا ضد القيادة الفلسطينية، في وقت تتحرك فيه عدة دول أوروبية للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

سجل طويل من الانحياز

لم يكن هذا الموقف استثناءً في السياسة الأمريكية، إذ تمتلك واشنطن سجلًا طويلاً من القرارات المنحازة لإسرائيل داخل الأمم المتحدة، أبرزها:

  • استخدام حق النقض (الفيتو) أكثر من 55 مرة لإسقاط قرارات تنتقد الاحتلال الإسرائيلي أو تدعو لإنهاء الاستيطان والاعتداءات.

  • رفض كل المحاولات الأممية الرامية إلى الاعتراف الكامل بدولة فلسطين.

  • تعطيل قرارات مجلس الأمن الخاصة بوقف إطلاق النار في غزة، خاصة خلال حرب 2023 – 2025، حيث استخدمت الولايات المتحدة الفيتو مرارًا لعرقلة أي قرارات ملزمة لإسرائيل.

انتهاك لاتفاقية المقر

من الناحية القانونية، تُلزم اتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947 الولايات المتحدة كدولة مضيفة بعدم عرقلة دخول أي وفود مدعوة للمشاركة في اجتماعات المنظمة. رفض تأشيرات الوفد الفلسطيني يُعد انتهاكًا صريحًا لهذه الالتزامات الدولية، ويطرح تساؤلات جدية: هل ما زالت واشنطن مؤهلة لاستضافة المقر الرئيسي للأمم المتحدة إذا استخدمت موقعها لفرض سياسات انتقائية؟

ازدواجية المعايير

الموقف الأمريكي لا يمكن فصله عن ازدواجية المعايير التي تنتهجها واشنطن منذ عقود: فهي تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تمنع الشعب الفلسطيني من التعبير عن قضيته أمام المجتمع الدولي. وبينما تسمح لوفود دول متهمة بانتهاكات جسيمة بالمشاركة، تختار منع وفد يعبر عن شعب يرزح تحت الاحتلال.

ردود الفعل المحتملة

من المتوقع أن يثير القرار الأمريكي نقاشًا واسعًا داخل أروقة الأمم المتحدة، خصوصًا من قبل الدول الداعمة للحقوق الفلسطينية. هناك سيناريوهات محتملة مثل:

  • نقل بعض الاجتماعات إلى جنيف أو فيينا كما حدث سابقًا عندما منعت واشنطن ياسر عرفات من دخول أراضيها عام 1988.

  • تصعيد الملف قانونيًا عبر لجنة علاقات المقر بالأمم المتحدة التي تراقب التزام الولايات المتحدة بواجباتها.

  • تصاعد الدعوات الدولية لإعادة النظر في بقاء المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك، لصالح دولة أخرى أكثر التزامًا بالحياد.

امتداد لسياسة أمريكية ممنهجة تقوم على دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا

رفض منح تأشيرات للرئيس عباس ومسؤولين فلسطينيين ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو امتداد لسياسة أمريكية ممنهجة تقوم على دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، حتى لو كان الثمن خرق القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
إن السؤال الأبرز اليوم هو: هل ما زالت واشنطن مؤهلة لتكون مقرًا للأمم المتحدة، وهي التي تعرقل عملها كلما تعارض مع مصالح إسرائيل؟