دخل المشهد الأمني في جنوب اليمن مرحلة جديدة من التصعيد المنظم، بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق حملت اسم «عملية الحسم» في محافظة أبين الساحلية، في تحرك وُصف بأنه الأوسع والأكثر حسما منذ سنوات في إطار الحرب على الإرهاب.
العملية الجديدة لا تأتي بمعزل عن التطورات الميدانية المتسارعة في محافظتي حضرموت والمهرة، بل تمثل امتدادًا لخطة عسكرية استراتيجية تهدف إلى حرمان التنظيمات الإرهابية من شرايينها الحيوية، وقطع خطوط الإمداد البشري واللوجستي، خاصة تلك المرتبطة بمناطق سيطرة جماعة الحوثي.
عملية عسكرية موجهة ضد القاعدة
أكد المجلس الانتقالي الجنوبي أن عملية الحسم تستهدف بشكل مباشر تنظيم القاعدة، بخلاف العمليات السابقة التي ركزت خلال الأيام الماضية على بسط السيطرة العسكرية والأمنية على مناطق واسعة في حضرموت والمهرة، بما في ذلك منشآت نفطية ومواقع استراتيجية.
وأوضح المجلس أن العملية الجديدة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل محاولات التنظيمات الإرهابية إعادة التموضع واستغلال الفراغات الأمنية، بعد خسارتها خطوط الإمداد الرئيسية إثر إحكام القوات الجنوبية سيطرتها على وادي وصحراء حضرموت ومحافظة المهرة.
انتشار ميداني واسع في أبين
وبحسب مصادر ميدانية، بدأت وحدات من القوات المسلحة الجنوبية، الاثنين، انتشارًا ميدانيًا واسعًا في المناطق الشمالية الشرقية من محافظة أبين، خاصة في:
-
المنطقة الوسطى
-
خطوط التماس المتاخمة لمكيراس
-
مديريات مودية، المحفد، جيشان
-
شمال شرق مديرية لودر
وشارك في الانتشار:
-
قوات الحزام الأمني
-
قوات الدعم والإسناد
-
محور أبين القتالي
وذلك ضمن خطة متكاملة تهدف إلى تفكيك البنية القتالية للقاعدة، وإنهاء وجودها، وتأمين المديريات وربطها بالمناطق المحررة.

خطة استراتيجية محكمة
قال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة الجنوبية، المقدم محمد النقيب، إن عملية الحسم تأتي ضمن خطة استراتيجية محكمة صُممت للتعامل مع التهديدات المستجدة، وفي مقدمتها:
-
إعادة تفويج عناصر إرهابية إلى أبين
-
دعم مباشر من الحوثيين لهذه العناصر
-
محاولات فتح معابر جديدة للإمداد عبر الجبال
وأوضح أن مسرح العمليات في أبين سيشهد توسعًا نوعيًا وجغرافيًا، يتيح للقوات الوصول إلى مختلف بؤر انتشار التنظيم، سواء كانت:
-
خلايا نائمة
-
معسكرات بديلة
-
مواقع جبلية وعرة
خصوصًا في المناطق المتاخمة لمحافظة البيضاء.
معركة طويلة وليست ضربة خاطفة
وشدد النقيب على أن أهداف عملية الحسم ليست آنية أو قصيرة الأمد، بل تتطلب وقتًا وجهدًا تراكميًا، نظرًا لتعقيد الطبيعة الجغرافية لأبين، وتشابك شبكات الإمداد المرتبطة بمناطق الحوثيين عبر المرتفعات الجبلية الشاهقة.
وأكد أن:
«المعركة ضد الإرهاب ستظل مفتوحة ما دامت شرايين التمويل والتسليح والتدريب قائمة».
نجاح «سهام الشرق» يمهد للحسم
وأشار المتحدث إلى أن عملية «سهام الشرق» السابقة نجحت في تفكيك وطرد عناصر القاعدة من أبرز معاقلها التاريخية، وعلى رأسها وادي عومران شرقي مديرية مودية، الذي وصفه بأنه:
«أحد أخطر وأهم معاقل القاعدة في اليمن والمنطقة».
وقد أدى ذلك إلى:
-
تراجع قدرة التنظيم على المناورة
-
تعطيل شبكات التمويل
-
تفكيك البنية التحتية البدائية التي اعتمد عليها لعقود
اتهامات مباشرة للحوثيين والإخوان

وحذر النقيب من ما وصفه بـ**«تسييس النشاط الإرهابي»** من قبل الحوثيين والإخوان المسلمين في اليمن، مؤكدًا أن هناك محاولات واضحة لإعادة توظيف الإرهاب كأداة ضغط عسكري وسياسي ضد الجنوب.
وبيّن أن عملية الحسم جاءت كإجراء وقائي استراتيجي لقطع الإمدادات، ومنع أي محاولات لإعادة بناء شبكات الإرهاب.
دعم إماراتي وأبعاد إقليمية
أكد المتحدث أن جهود القوات المسلحة الجنوبية في مكافحة الإرهاب، وبدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، تندرج ضمن حملة أمنية شاملة ومتدرجة، انطلقت من:
-
عدن
-
بادية المكلا
-
ساحل حضرموت
-
وصولًا إلى أبين وشبوة
وأوضح أن أهمية هذه العمليات لا تقتصر على البعد المحلي، بل تحمل أبعادًا إقليمية ودولية، في ظل تصنيف تنظيم القاعدة في اليمن كأحد أخطر فروع التنظيم عالميًا، وضلوعه في تهديد المصالح الدولية.
أبين.. عمق أمني استراتيجي
تُعد محافظة أبين الممتدة على ساحل البحر العربي:
-
العمق الشرقي للأمن الاستراتيجي للعاصمة المؤقتة عدن
-
نقطة وصل حيوية مع المحافظات الشرقية والشمالية
ما يجعل تأمينها مسألة تتجاوز الحسابات المحلية إلى معادلات الأمن الإقليمي.
ثغرة أمنية أُغلقت
من جانبه، قال نائب رئيس إعلام المجلس الانتقالي الجنوبي منصور صالح إن ما جرى في حضرموت والمهرة جاء استجابة لمطالب شعبية لبسط الأمن، مؤكدًا أن المنطقة العسكرية الأولى التي جرى إخراجها شكلت:
-
ثغرة أمنية خطيرة
-
ممرًا لتهريب السلاح إلى الحوثيين
-
بيئة لنشاط التنظيمات الإرهابية وتهريب المخدرات
وأشار إلى أن إحكام السيطرة أغلق منافذ الفوضى، وحقق تحسنًا ملموسًا في الوضع الأمني.
تأمين وادي حضرموت والممرات الدولية
بالتوازي، باشرت قوات النخبة الحضرمية تأمين المدخل الشرقي لوادي وصحراء حضرموت، وإجراء عمليات تفتيش دقيقة، لحماية:
-
خطوط العبور الدولية
-
طرق التجارة والطاقة
-
الممرات الرابطة مع سلطنة عمان
في خطوة تعكس التزامًا بسيادة القانون وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
معركة تتجاوز اليمن
أكد الممثل الخاص لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي للشؤون الخارجية عمرو علي سالم البيض أن الاعتراضات الإيرانية على عمليات مكافحة الإرهاب تثير تساؤلات جدية، مشددًا على أن:
«محاربة التطرف يجب أن تكون أولوية مشتركة لا موضع خلاف».
وأضاف أن الجنوب لن يساوم على أمنه، وسيضع مصلحة شعبه فوق أي حسابات.
مرحلة فاصلة في معركة الجنوب
ويرى مراقبون أن إطلاق عملية الحسم يمثل منعطفًا نوعيًا في معادلة مكافحة الإرهاب في اليمن، ويمنح التحرك الجنوبي بعدًا يتجاوز الإطار المحلي، ليصل إلى الأمن البحري في باب المندب وخليج عدن، وحماية التجارة الدولية.


