حقيقة تعيين رئيسة تنزانيا أفراد أسرتها في الحكومة.. بين الشائعة والحقيقة
في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أسرع من الرصاصة، والمعلومة — صحيحة كانت أم مزيفة — قادرة على الانتشار في ثوانٍ معدودة، تجد مجتمعات العالم الثالث نفسها محاصرة يوميًا بفيضٍ من الأخبار المفبركة والشائعات المصنوعة بإتقان. وفي الأيام الماضية، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لرئيسة تنزانيا سامية صولوهو حسن وهي ترتدي الزي العسكري الكامل، مرفقةً بقائمة طويلة من المزاعم التي تقول إنها قامت بتعيين “كل أفراد أسرتها” في الحكومة، من صهرها إلى ابنتها وحتى “صديق العائلة”.
ورغم الانتشار الواسع للخبر، إلا أن الحقيقة — كما تكشفها المصادر الرسمية والصحافة الدولية — جاءت مناقضة تمامًا لكل ما تم تداوله، ما يجعلنا أمام نموذج كلاسيكي لآلية صناعة الشائعات في العالم الثالث وكيف تتحول الأكاذيب إلى حقائق عند جمهورٍ لم تتح له فرصة التحقق.
رئيسة تنزانيا.. من هي؟

سامية صولوهو حسن، المولودة عام 1960، هي أوّل امرأة تتولى رئاسة الجمهورية في تنزانيا، بعدما تسلمت الحكم في مارس 2021 عقب وفاة الرئيس جون ماجوفولي.
تتمتع الرئيسة بسمعة سياسية رصينة، وقد شغلت مناصب متعددة سابقًا بينها:
-
نائبة الرئيس
-
وزيرة دولة في شؤون الاتحاد
-
عضو برلمان
-
عضو في عدة لجان اقتصادية وتنظيمية
-
وقبل السياسة، كانت تعمل في القطاع التنموي والمنظمات الدولية
الصورة المنتشرة لها بالزي العسكري ليست حديثة، وليست دليلاً على “حكم عسكري عائلي”، بل التقطت خلال احتفال رسمي كونها القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو زي شرفي ترتديه في المناسبات الرسمية لا أكثر.
تفاصيل الإشاعة المنتشرة
نصّ المنشور المتداول يزعم التالي:
-
وزير المالية: صهرها
-
وزير الصحة: زوج ابنتها
-
نائب وزير التعليم: ابنتها
-
عضو برلمان: مخصص لابنتها
-
وزير الدفاع: صديق العائلة
-
نائبة وزير العمل: ابنة أختها
وللوهلة الأولى يبدو الكلام “مصنوعًا بعناية”، فهو يستخدم لغة مهمة، تظهر “دقة” زائفة، ويقترن بصورة قوية التأثير بصريًا، الأمر الذي يمنحه قابلية أكبر للتصديق.
التحقق الرسمي: لا صهر ولا ابنة ولا صديقة

بالعودة إلى السجلات الحكومية التنزانية والمواقع الإخبارية الكبرى مثل:
-
The Citizen Tanzania
-
The East African
-
BBC Africa
-
Tanzania Daily News
لا يوجد أي منصب حكومي يشغله فرد من عائلة الرئيسة، سواء صهرها أو ابنتها أو أي قريب آخر.
الحقائق:
-
وزير المالية التنزاني: غير مرتبط بأي صلة قرابة بالرئيسة
-
وزير الصحة: ليس زوج ابنتها ولا يوجد أصلاً زواج معلن لابنتها من وزير
-
نائب وزير التعليم: لا توجد أي ابنة للرئيسة تشغل منصبًا حكوميًا
-
عضو البرلمان: لا يوجد “مقعد عائلي” مخصص لابنتها
-
وزير الدفاع: ليس صديقًا للعائلة بل عسكري محترف من القوات المسلحة
-
نائبة وزير العمل: لا يوجد أي منصب “وراثي” بهذا الشكل
الجميع — دون استثناء — شخصيات مستقلة تم تعيينها وفق الإجراءات القانونية وعبر البرلمان.
كيف بدأت الشائعة؟
تعود جذور القصة إلى منشور قديم ظهر لأول مرة في دولة إفريقية مجاورة، ثم تمت إعادة تدويره وترجمته وتعديله حتى وصل بصيغته العربية الحالية.
وقد اعتمد مروّجو الإشاعة على:
-
صورة ذات تأثير بصري قوي
-
نص قصير ومحدد يجعل القارئ “يستنتج” الفساد بنفسه
-
استغلال عدم معرفة الجمهور العربي بتفاصيل السياسة التنزانية
-
إدراج أسماء مناصب كبيرة لإضفاء مصداقية
-
اللعب على وتر “فساد السياسيين” المنتشر في منطقتنا
لماذا تنتشر مثل هذه الشائعات في العالم الثالث؟
-
غياب الوعي الإعلامي
الكثيرون يتلقون المعلومات دون التحقق من مصدرها. -
الإعجاب بالشائع الغريب
فـ "الأخبار الغريبة" دائمًا ما تلقى انتشارًا. -
الثقة العمياء في المنشورات المصورة
الصورة تمنح وهم المصداقية. -
التسويق الخبيث
هناك صفحات تعتمد على إثارة الجدل لزيادة التفاعل. -
ضعف ثقافة التثبت والتدقيق
رغم سهولة الوصول للمصادر الحقيقية.
سرعة انتشار الأخبار الكاذبة في منطقتنا
القصة مفبركة تمامًا ولا أساس لها من الصحة، وهي مثال واضح على سرعة انتشار الأخبار الكاذبة في منطقتنا ومدى الحاجة إلى تعزيز ثقافة “التحقق قبل النشر”.
سامية صولوهو حسن قد تكون رئيسة دولة إفريقية، لكن ذلك لا يجعلها بمنأى عن حملات التضليل التي تستهدف الشخصيات العامة حول العالم.
يبقى الدرس الأكبر:
ليس كل ما يُنشر حقيقة.. والصورة لا تكفي لإثبات الرواية.















