سعيد محمد أحمد يكتب ـ يوميات مراسل...” مغارة الدم ”.. اول جريمة فى التاريخ الإنساني على سفح قاسيون
أسعدني أننى عشت فى العاصمة السورية دمشق فى الزمن الجميل لعدة سنوات بعضها متصل والاخر منفصل، عشت فيها ليس كزائرعشت فيها كزائر أو عابر أو مجرد سائح وإنما كانت فى إطار مهمة صحفية لفترة زمنية، كمدير مكتب ومراسل لوكالة أنباء الشرق الأوسط فى سوريا.
خلال إقامتى، شدنى كثير من المسميات لبعض المدن السورية فى "تسعينيات القرن الماضي فكانت دمشق الفيحاء "قاهرة الستينات" طوفت فى مختلف أحيائها وشوارعها وأزقتها وحاراتها وساحاتها المتعددة مرات ومرات وبمعظم معالمها احيانا بصحبة أصدقاء وزملاء وأحيانا منفردا من شدة طبيعة جمالها وهدوئها وماتخبئه وتخفيه بين جنباتها من مكنون اسرارها.
دمشق القديمة.. حيث تنحني لتدخل الماضي
عندما تتجول بين أحياء دمشق القديمة وماتحتوية من مزارات منسية وروايات تحملها على أكتافها وبين جدرانها، وقصصا تتناقلها أجيالها من جيل إلى جيل، وكل جيل منها يبدى اعتزازه وفخره بالانتماء وبأنه من المقيمين فيها،لما تضمه من حكايات قديمة عنوانها العزة والفخار والبساطة والاعتدال وجمال المظهر الرصين فى بيوت تقليدية تظنها من الوهله الأولى متواضعة من شكل أبوابها الخشبية القديمة الصغيرة وتجبر ساكنيها على الإنحناء للدخول إليها.
أبواب صغيرة تنحنى بسببها لتقودك عبر ممر صغير بخطوات قليلة إلى "بستان"، من جمال الزهور فى بهو كبير، وكأنك فى قصر منيف تسحرك روائح الورود وازهار الياسمين لتسكن بجوارها بعضا من الأشجار المثمرة بالفاكهة .
فى دمشق القديمة تحيا بعطر ياسمينها وخاناتها ومدافنها التى تضم العديد من أشهر الصحابة ومثوى أولياء الله الصالحين، لتحكى قصصا وروايات من مخزون ما تتمتع به من أساطير وأسرار، كيف عاش هؤلاء،؟!!، وكيف كانت حياتهم؟!! وكيف شيدوا أمجادا لازالت تنطق بالحياة؟!!.
فما تسمعه من حكايات وقصص غريبة بعضها قد يكون محاطا بهالة خاصة تصل إلى حد القداسة ربما احتفاء بقيمتها التاريخية والإنسانية آو باعتبارها موقعا مقدسا لإيقبل التجديد أوالتغيير أو المساس بها بوصفها محمية أثرية خاضعة لرقابة منظمة دولية معنية بحماية الآثار التاريخية، فما بالك بمدينة كاملة "محمية أثرية" تمارس فيها كل الأنشطة التجارية والصناعية والحرفية والسكنية أيضا و لايزال كثيرا من سكانها مقيمين فيها .
فبجوار المسجد الأموى الكبير هناك شاهدا على التاريخ يحكى حكايات قد تكون أغرب من الخيال فى أقدم مقهى عريق بقلب دمشق القديمة "النوفرة" يقدم منذ ما يزيد على 150 عاما قراءة للسير القديمة فيها الكثير من المبالغة وتضخيم الأحداث عبر "حكواتى " يقدم سيرة تاريخية منها سيرة عنتر بن شداد، والملك الظاهر، كما تضم المقهى كتب السيرة الموجودة بها منذ زمن بعيد ا، ربما من أيام الحكواتي الأول في دمشق عبد الحميد الهواري (1885 – 1951).

جبل قاسيون.. بوابة السماء ومسرح الأسطورة
ففى دمشق القديمة أحياء عده .. أهمها وأبرزها حى الميدان وحى ساروجه ويطل عليها وعبر مسافة قصيرة سلسلة من جبال الشيخ الممتده بطول الحدود السورية اللبنانيه وحتى "جبل قاسيون " المطل على معظم أحياء دمشق وتراها بالعين المجردة فى مشهد وطلة تتسم بالجمال حيث يرتفع الجبل عن سطح البحر 1200 متر وتبعد عن وسط دمشق مسافة ٦٠٠ متر، ليبقى جبل قاسيون متنفسا وملتقى الاحبه من سكانها وزوارها ومحبيها وعشاقها كحديقة خلفية يتجولون فيها بامان وحرية كاملة، وكثيرا ممن يترددون على المكان لايعلم حقيقة "الجبل" واهميتة وما يضمه من كهوفه مليئة بالأسرار التى تصل إلى حد الأساطير .
يقول ابن عساكر فى كتابة "تاريخ دمشق" ان جبل قاسيون تتسلق سفوحه رقعة واسعة من مبانيها، وبالقرب من قمة قاسيون يرى الزائر "مقاماً"، وقبة خضراء يعرفها أهل دمشق بـ"مغارة الدم" أو "مقام الأربعين"، تحكي قصة أول جريمة في التاريخ البشرى، حينما قتل "قابيل" أخاه "هابيل"، وفوق هذه "المغارة" بني مسجد "الأربعين"، يضم أربعون محراباً، حيث أصبح المكان مقصداً للزهاد والعباد والراغبين في الخلوة.
"مغارة الدم".. أول دم سال في التاريخ
وروى "ابن عساكر" أن المسجد صلى فيه أنبياء كثيرون كإبراهيم وذوالكفل وأيوب عليهم السلام، ف يما ذكر" الخازن" في تفسيره أن "مغارة الدم" هي المكان الذي قتل فيه سيدنا هابيل، وأشار إلية ايضا في معجم البلدان لياقوت الحموي أن " قاسيون" فيه عدة مغاور ويضم أيضاً آثار الأنبياء وكهوف، وبه مغارة تعرف بـ"مغارة الدم" يقال بها قتل قابيل أخاه هابيل وهناك من يزعمون أن دمه باق إلى الأن، وبجواره حجرا قيل أنه الحجر الذي فلق به قابيل هامة اخيه هابيل ، وتقول الأسطورة ان "قابيل" عندما قتل أخاه "هابيل" حمله من جبل قاسيون وحتى منطقة الزبدانى بمساحفة قرابة 40 كم من جبل قاسيون وقيل أن الجبل بكى هذه الجريمة، وفتح فاه يريد أن يبتلع القاتل، ويقال أن "حواء" أم البشر قد ركنت إلى هذه المغارة بعد أن قتل ابنها هابيل،وهما أول ابنين للنبي آدم وزوجته حواء.

مدفن هابيل.. على طريق بلودان
يوجد قبر ومدفن النبى هابيل فى منطقة الزبدانى بريف دمشق بالقرب من سلسلة جبال القلمون على طريق "بلودان" المصيف الدمشقى للسوريين حيث المدفن بشكل رائع فى ساحة كبيرة مطله على جبال القلمون ويبدو طول المدفن مدعاه للدهشة على حجم وضخامة هابيل، حيث يبلغ طوله 23 قدما اى 7 امتار، وظل حمل شقيقة وفقا للعديد من الروايات لسنوات طويلة حتى وصل الى مكان شجرة هى فرع من الشجرة القديمة التى يتراوح عمرها ما بين 40 ألف الى 70 الف سنة ومن هنا يعد المكان مزارا مفتوحا للجميع .
















