في رحلة البحث عن فرصة، عن مستقبل، عن “عالم الأحلام” الذي يروّج له سماسرة الهجرة غير الشرعية، يخرج مئات الشباب المصريين كل عام عبر طرق الموت، ظانّين أنهم يعبرون نحو حياة جديدة، بينما ينتظرهم مصير مأساوي بين غابات أوروبا وثلوجها وحدودها المغلقة.
وهذه المرة، جاءت الفاجعة من الحدود البلغارية–التركية، حيث كشف تقرير صادم لوكالة الحدود الأوروبية “فرونتكس” مسؤولية السلطات البلغارية المباشرة عن وفاة ثلاثة فتيان مصريين تجمّدوا حتى الموت في ديسمبر 2024.
ثلاثة أطفال مصريون.. جمدهم البرد وغيّبتهم أوروبا
الضحايا — علي (15 عامًا)، سمير (16 عامًا)، ياسر (17 عامًا) — خرجوا من بيوتهم في مصر ظانين أن الطريق إلى أوروبا هو طوق نجاة، قبل أن يجدوا أنفسهم وحيدين داخل غابات بلدة بورغاس على الحدود البلغارية، وسط درجات حرارة قاتلة.
كانوا مجرد أطفال يحلمون بحياة أفضل.. لكنهم تجمّدوا حتى الموت قبل أن يصل إليهم أحد.
6 بلاغات استغاثة.. ولا حياة لمن تنادي

وفق تقرير “فرونتكس”، تلقّت السلطات البلغارية 6 إنذارات عاجلة يوم 27 ديسمبر 2024 من منظمات إنسانية متطوعة، أكدت أن الفتيان الثلاثة فاقدو الوعي ويحتاجون لإنقاذ فوري.
ومع أن المواقع كانت دقيقة، فقد مُنعت فرق الإنقاذ التطوعية من الوصول إليهم رغم توسلاتها ووثائقها المصوّرة.
وبعد ساعات، عُثر على الأطفال متجمدين على بُعد أمتار قليلة فقط من مواقع البلاغات… جثامين بلا روح، وسط غابة بيضاء باردة لا ترحم.
موت يمكن تجنّبه.. لكنه تكرر بسبب الإهمال
أكد تقرير “فرونتكس” أن بلغاريا كانت ملزمة قانونًا وأخلاقيًا بالتدخل العاجل لإنقاذ حياة الأطفال، لكن السلطات:
-
تجاهلت البلاغات
-
منعت فرق الإنقاذ
-
لم تُرسل فرقًا بديلة
-
وتأخرت حتى صار الإنقاذ بلا معنى
وخلص التقرير إلى أن الوفاة كانت نتيجة مباشرة لعدم استجابة السلطات البلغارية.
محاولة بلغاريا لتبرير المأساة بزعم “معلومات خاطئة” لم تصمد أمام الأدلة الموثقة، ورفضتها “فرونتكس” بالكامل.
ليست الحادثة الأولى.. ولا الأخيرة

أشارت الوكالة الأوروبية إلى أن هذه الحادثة تأتي ضمن ممارسات ممنهجة للشرطة البلغارية، تشمل:
-
تجاهل استغاثات مهاجرين
-
استخدام العنف
-
إرجاع قسري عبر الحدود
-
انتهاكات بحق الأطفال والنساء
وأعرب مكتب الحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي عن “قلق بالغ” من تكرار مثل هذه الانتهاكات، خصوصًا بعد انضمام بلغاريا إلى “منطقة شنجن” في يناير 2025.
طرق الموت.. وليست طرق الهجرة
لم تعد طرق البلقان مجرد ممر للهجرة غير النظامية، بل تحوّلت إلى مقبرة مفتوحة لمن يحلمون بالوصول إلى أوروبا.
تحقيقات دولية عام 2023 أكدت أن عدداً متزايداً من المهاجرين “يموتون دون أثر”، في دلالة على حجم الخطر الذي يواجهه الشباب الهارب من الفقر والبطالة.
لماذا يهرب الشباب المصري؟
تدفَع البطالة وضعف الفرص آلاف الشباب إلى سماسرة الهجرة غير الشرعية، الذين يبيعونهم أوهامًا مثل:
-
“هتوصل في 3 أيام”
-
“الموضوع مضمون”
-
“كل الناس بتعدّي”
-
“هتشتغل في أوروبا وهتبعت فلوس”
لكن الحقيقة أن الطريق مليء بـ:
-
الغرق في البحر
-
الاختناق داخل الشاحنات
-
الموت عطشًا أو تجمّدًا
-
التعرض للسطو والاعتداء
-
الاتجار بالبشر
وهؤلاء الثلاثة لم يكونوا أول ضحايا هذا الطريق.. وربما لن يكونوا آخرهم إن لم تتغيّر الظروف التي تجبرهم على الهروب.
صرخة ألم.. ورسالة تحذير
حادثة الأطفال المصريين الثلاثة يجب أن تكون جرس إنذار لكل شاب يفكّر في طرق الهجرة الخطرة، فالحلم الذي يبدأ بخطوة من المنزل قد ينتهي بجثمان مجهول الهوية على حدود دولة لا تعرف الرحمة.
كما يجب أن تكون دافعًا لتعزيز الحملات الوطنية التي تحذر من هذه الطرق، وتشديد الرقابة على سماسرة الهجرة الذين يتاجرون بحياة الفقراء.


