عاد الجدل من جديد إلى الساحة المصرية بعد الرسالة العنيفة التي وجهها الإعلامي والنائب البرلماني مصطفى بكري إلى علاء مبارك، في استمرارٍ لسلسلة من المناوشات التي شهدتها منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة. لكن السجال الأخير حمل طابعًا مختلفًا وأكثر حدة، لأنه أعاد إلى الواجهة ملفات قديمة تتعلق بعلاقة بكري بنظام مبارك قبل ثورة يناير 2011، ودوره في الدفاع عن النظام لسنوات طويلة قبل أن ينقلب عليه بالكامل بعد سقوطه.
ورغم أن السجال يبدو ظاهريًا خلافًا شخصيًا أو "ردًا على تجاوزات لفظية" كما وصف بكري، فإن خلفياته أعمق من ذلك بكثير. فالعلاقة بين الرجلين—كما تشير مصادر سياسية وإعلامية—ليست جديدة ولا سطحية، بل تمتد إلى سنوات طويلة كان فيها بكري من أبرز الإعلاميين المقربين من الدائرة الرئاسية.
بل إن روايات عديدة متداولة منذ سنوات داخل كواليس السلطة تشير إلى أن الرئيس الراحل حسني مبارك كان يمزح مع بكري في أحد لقاءات القصر قائلًا:
"هات فلوسك نحطها على فلوسي… وبعدين نقسّمهم بينّا!"
وهي جملة كثيرًا ما تُتداول للدلالة على حجم الثروة التي جمعها بكري خلال فترة دعمه المطلق للنظام، واعتباره أحد "أبواق" النظام قبل 2011، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أشد المنتقدين لأبنائه ورموزه.
هذه الخلفية جعلت السجال الأخير أكثر سخونة، وأكثر جذبًا للرأي العام، خاصة أن بكري بدا وكأنه يقرر فتح دفاتر قديمة وإعادة توجيه السهام نحو أسرة مبارك من جديد.

مصطفى بكري: صمتُ طويل ثم رد قاسٍ
في منشور شديد اللهجة على منصة "إكس"، قال مصطفى بكري:
"لقد التزمت الصمت طويلاً حرصًا على عدم الدخول في سجالات لا تخدم المصلحة العامة، لكن استمرار الهجوم ضدي دفعني للرد، ليس كمُهاجم، بل كمصري يرى أن البلاد تواجه تحديات تتطلب التكاتف، لا التصعيد."
وأضاف بكري أن بعض تغريدات علاء مبارك تجاوزت "كل حدود الاحترام"، معتبرًا أنها ليست سوى "ضوضاء إعلامية غير مفيدة" لا تخدم الصالح العام.
وتابع النائب البرلماني قائلًا:
"لغة السخرية والتهكم لن تبني وطنًا، والحوار الهادئ هو الطريق الصحيح."
من التصعيد إلى الاتهامات المالية المباشرة

لكن المفاجأة الكبرى كانت في الجزء المتعلق بالثروة، حين وجّه بكري واحدة من أجرأ الرسائل المباشرة منذ بدء السجال:
"إذا أردت أن تقدّم موقفًا وطنيًا حقيقيًا، فما رأيك لو طلعت جدع وحوّلت الـ430 مليون دولار المُودعة في سويسرا إلى البنك المركزي المصري؟"
وواصل:
"هذا موقف يُحسب لك، ويمحو كل البلاوي التي تُنسب إليك."
رسالة بكري هنا لم تكن مجرد رد، بل كانت اعترافًا ضمنيًا بالخلاف العميق بينه وبين أسرة الرئيس الراحل، وإشارة واضحة إلى ملف الحسابات البنكية لعلاء وجمال مبارك في سويسرا، وهو الملف الذي أثار الجدل منذ 2011 ولم يغلق حتى الآن.
رسالة “احترموا والدكم”.. بكري يناور
وفي محاولة للظهور بمظهر "الحريص على الرمزية الوطنية"، قال مصطفى بكري:
"هدفي ليس الصدام مع علاء مبارك، بل الحفاظ على صورة والده الراحل، لأن السجالات اليومية لا تُعلي من ذكراه، بل تُشوّهها."
وأضاف أن الاحترام الحقيقي لمن تولّوا مسؤوليات كبيرة "لا يُقاس بمنشورات على السوشيال ميديا"، بل بالتصرفات التي تعكس قيمهم.
هذه الرسالة فسّرها البعض بأنها محاولة لربط علاء مبارك بصفات “عدم المسؤولية” و"السلوك الصبياني" دون ذكر ذلك صراحة، خاصة أن بكري وصفه بعبارة لافتة سرعان ما انتشرت عبر مواقع التواصل:
"مراهق سياسي"
رد علاء مبارك: سخرية لاذعة وتلميحات قديمة
لم يتأخر رد علاء مبارك، إذ كتب في تدوينة حملت سخرية واضحة:
"يا درش، متنساش يوم 26 نوفمبر عيد ميلادي.. ربنا ما يقطعها عادة ولا حضرتك هتستهبل فيها! من صغرك وإنت متعود تعيد عليّا… ولا ناسي؟ مساء الفل."
الرد بدا بنبرة من يعرف “أسرارًا قديمة”، ويحاول التلميح إلى علاقة سابقة قريبة بينه وبين بكري، مما أشعل النقاش حول طبيعة تلك العلاقة قبل الثورة.
كما أعاد المتابعون تداول روايات “لقاءات القصر” التي كان يحضرها بكري، ومواقفه المدافعة بشدة عن مبارك في السنوات الأخيرة من حكمه، قبل أن يتحوّل تمامًا بعد رحيل النظام.
من بكري المؤيد لمبارك إلى بكري المعارض لأبنائه
مرت علاقة بكري بأسرة مبارك بثلاث مراحل:
1) مرحلة الولاء والدفاع (قبل 2011)
-
ظهور مستمر في البرامج المؤيدة للنظام.
-
علاقات وثيقة مع مقربين من القصر.
-
دفاع شرس عن مبارك في الإعلام.
-
اعتباره أحد الأصوات البارزة في “حزب الدولة”.
2) مرحلة الانقلاب السياسي (بعد 2011)
-
تحول إلى أحد أبرز منتقدي النظام السابق.
-
تبنّي خطاب يعارض “توريث الحكم”.
-
انتقاد علاء وجمال في البرلمان والإعلام.
3) مرحلة الصدام المباشر (2023–2025)
-
تدوينات متبادلة شديدة اللهجة.
-
اتهامات مالية وسياسية علنية.
-
محاولات استدعاء الماضي وتوظيفه سياسيًا.
بكري يهاجم مبارك الابن.. ويهنئ السيسي

المفارقة التي لفتت الانتباه أن بكري—بعد دقائق من هجومه على علاء مبارك—نشر تدوينة تهنئة للرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة عيد ميلاده، وصفه فيها بـ:
"الرجل الذي تحمّل المسؤولية في أخطر مراحل التاريخ الحديث، وانحاز لمصلحة الوطن."
وهو ما فسّره البعض بأنه إعلان واضح لموقع بكري السياسي الحالي، ومَن يختار الوقوف بجانبه في معاركه.
خلاف أكبر من مجرد منشورات.. وملفات قديمة تعود للحياة
السجال بين بكري وعلاء مبارك أصبح الآن واجهة علنية لصراع سياسي طويل:
-
صراع على الشرعية الرمزية.
-
صراع على الرواية التاريخية لأحداث 2011.
-
صراع على العلاقات القديمة داخل القصر.
-
وصراع على من يملك “الكلمة الأخيرة” في الحديث عن عهد مبارك.
ومع تصاعد التوتر، يبدو أن هذا الملف سيشهد فصولًا جديدة، وربما يكشف المزيد من الأسرار حول علاقة الإعلام بالسلطة قبل الثورة وبعدها.


