الثلاثاء، ١٣ يناير ٢٠٢٦ في ١١:٥٦ ص

«يوم بلا سراويل» في مترو لندن.. تقليد مثير للجدل أم تهديد صريح للأمن والسلامة العامة؟

يتجدد الجدل في العاصمة البريطانية لندن حول فعالية «يوم بلا سراويل» داخل مترو الأنفاق، في وقت تتصاعد فيه الأصوات المطالبة بوقف هذا الحدث السنوي، معتبرة أنه لم يعد مجرد نشاط ترفيهي غريب، بل سلوكًا مثيرًا للقلق داخل مرفق عام يفترض أن يكون آمنًا للجميع.

الفعالية، التي تحوّلت إلى تقليد سنوي منذ ما يقرب من عشرين عامًا، تقوم على تنقل المشاركين داخل عربات ومحطات المترو بملابسهم الداخلية فقط، في مشاهد تصدم السياح، وتربك العائلات، وتفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات تتعلق بالسلامة والحدود المقبولة في الأماكن العامة.


من دعابة عابرة إلى أزمة مجتمعية

لماذا عاد الجدل بقوة هذا العام؟

بحسب ما نشرته صحيفة ديلي ميل، تشهد لندن حاليًا تصاعدًا غير مسبوق في الدعوات المطالِبة بإنهاء الفعالية، بعد تحذيرات من آثارها النفسية السلبية على ركاب سبق أن تعرضوا لاعتداءات جنسية.

ويرى معارضو الحدث أن المشاهد المفاجئة داخل عربات مغلقة قد تثير حالات هلع أو ضيق نفسي، خاصة لدى النساء، والأطفال، وضحايا العنف الجنسي، وهو ما يتناقض تمامًا مع مفهوم النقل العام كمساحة آمنة ومحايدة.


شهادات صادمة من داخل المترو

“لم تكن مزحة.. بل أعادت إليّ الصدمة”

الكاتبة البريطانية إيما كلارك، من مجلة Glamour، كانت من أبرز الأصوات المنتقدة، إذ أكدت أن الفعالية أعادت إليها تجارب شخصية مؤلمة مرتبطة باعتداء جنسي تعرضت له سابقًا داخل مترو لندن.

وقالت كلارك إن التعامل مع الحدث كـ“دعابة جماعية” يتجاهل تمامًا الآثار النفسية العميقة التي قد يخلّفها على شريحة واسعة من الركاب، مضيفة أن الفعالية تخلق بيئة مقلقة قد يستغلها متحرشون محتملون.


أرقام مقلقة: جرائم جنسية في أعلى مستوياتها

595 جريمة في عام واحد

الجدل يزداد حدّة عند وضعه في سياق الأرقام الرسمية؛ إذ سجلت شبكة مترو لندن 595 جريمة جنسية خلال عام 2024/2025، وفق إحصاءات شرطة النقل البريطانية، وهو أعلى رقم منذ موسم 2019/2020.

ويرى منتقدو الفعالية أن السماح بمظاهر غير تقليدية داخل المترو، في ظل هذه الأرقام، يُعد رسالة خاطئة تقلل من حساسية المكان، وتزيد من شعور النساء بعدم الأمان، خاصة مع ملاحظة أن غالبية المشاركين في «يوم بلا سراويل» من الرجال.


جذور الفعالية: من نيويورك إلى لندن

تقليد مستورد بلا سياق محلي

تعود جذور «يوم بلا سراويل» إلى نيويورك عام 2002، قبل أن ينتقل إلى لندن عام 2009، ليصبح جزءًا من أنشطة غريبة تتكرر سنويًا دون هدف خيري أو توعوي واضح.

ويرى مراقبون أن استنساخ مثل هذه الفعاليات دون مراعاة الخصوصية الثقافية والأمنية للمدن الكبرى، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا عندما تُقام داخل مرافق حيوية مكتظة بالركاب.


انقسام الرأي العام

ترفيه بريء أم تصرف غير لائق؟

أثار الحدث نقاشًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين:

  • من يراه تصرفًا غير لائق داخل مرفق عام

  • ومن يعتبره نشاطًا غريبًا لا يتجاوز إطار الترفيه

لكن اللافت أن أصوات الرفض باتت أعلى هذا العام، مدفوعة بالاعتبارات الأمنية والنفسية، وليس فقط الأخلاقية.


موقف المنظمين والشرطة

“ليس مخالفًا للقانون… لكن”

أكد منظمو «يوم بلا سراويل» أن الفعالية لا تحمل أي أهداف سياسية أو خيرية، وأن المشاركة فيها تتم بمحض الإرادة، مع الدعوة إلى “التصرف المسؤول”.

من جهتها، أوضحت متحدثة باسم شرطة النقل البريطانية أن عدم ارتداء السراويل لا يُعد مخالفة قانونية بحد ذاته، لكنها شددت على:

  • ضرورة احترام الآخرين داخل المواصلات العامة

  • التعامل بحزم مع أي بلاغات تحرش أو عنف

  • الاعتماد على دوريات ميدانية وشبكة مراقبة تضم أكثر من 150 ألف كاميرا


الخلاصة: هل آن أوان الإلغاء؟

ما بين حرية التعبير والسلوك المسؤول، يقف «يوم بلا سراويل» اليوم عند مفترق طرق حاسم. فاستمرار الفعالية بالشكل الحالي، في ظل ارتفاع معدلات الجرائم الجنسية، يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل يحق لأي نشاط ترفيهي أن يتجاهل شعور الأمان داخل مرفق عام؟

في مدينة بحجم لندن، يبدو أن الدعوات لإعادة النظر – أو حتى الإلغاء – لم تعد مجرد مطالب هامشية، بل صرخة مجتمعية تتطلب قرارًا واضحًا.