الثلاثاء، ٥ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٧ م

وفيات غامضة تهز وزارة الدفاع السورية.. هل تتخلص الثورة من قادتها؟

سلسلة وفيات غامضة داخل وزارة الدفاع السورية.. هل بدأت الثورة تأكل أبناءها؟!

تحولت عبارة ساخرة متداولة على منصات التواصل إلى عنوان سياسي ثقيل في سوريا: “وزارة الدفاع تحولت لبرنامج مسابقات: إمّا تندمج… أو تربح جائزة كبرى على شكل نوبة قلبية!”. خلف السخرية السوداء، تقف أسئلة أكثر خطورة: هل ما يجري مجرد مصادفات صحية متقاربة؟ أم أن سلسلة وفيات قادة سابقين في الفصائل والميليشيات داخل أو حول وزارة الدفاع السورية تعكس صراعًا مكتومًا داخل بنية السلطة الجديدة؟ وهل تتخلص الثورة من أبنائها بعد أن تحولت البنادق من ساحات القتال إلى مكاتب الدولة؟

المؤكد حتى الآن أن هناك سلسلة وفيات متقاربة زمنيًا لقيادات عسكرية سورية، معظمها نُسب في تقارير وصفحات محلية إلى نوبات قلبية أو أزمات صحية مفاجئة. لكن الرقم المتداول على نطاق واسع، وهو وفاة 14 قياديًا خلال الأيام الماضية، لم  يتم تأكيده رسميًا كاملًا من وزارة الدفاع السورية أو من وكالة دولية كبرى، بل ظهر أساسًا في منشورات على منصات التواصل وبعض المواقع الجامعة للأخبار، ما يستدعي التعامل معه بحذر مهني واضح. فقد نقل موقع “نبض” عن “ليبانون ديبايت” تقريرًا بعنوان “سلسلة وفيات غامضة” أشار إلى جدل واسع حول وفيات قيادات عسكرية منذ مطلع أبريل، وذكر أسماء بينها سعيد صبحي حاج إبراهيم، محمود الشون، عبد المجيد دبيس، مالك الجرادي، وأبو حاتم العيس، لكنه لم يقدم في النسخة المتاحة توثيقًا رسميًا كاملًا لكل الحالات أو جدولًا طبيًا مؤكدًا لأسباب الوفاة.

ما المؤكد في رواية الوفيات؟

المؤكد من خلال الرصد المتاح أن هناك وفيات معلنة أو متداولة لعدد من الشخصيات العسكرية المرتبطة ببنية الجيش السوري الجديد أو وزارة الدفاع. من أبرز الأسماء التي تكررت في المصادر المفتوحة: مالك الجرادي، الذي ورد في عدة منشورات أنه قيادي في الفرقة 62 وتوفي إثر نوبة قلبية مفاجئة، ومحمد الحكيم “أبو بلال”، الذي جرى تداوله على أنه قيادي في وزارة الدفاع السورية وتوفي بنوبة قلبية، إضافة إلى حسين عبد الله العبيد “أبو صهيب” قائد الفرقة 54، الذي نُعي رسميًا عبر حسابات منسوبة لوزارة الدفاع، بينما تحدثت تقارير محلية عن وفاته إثر احتشاء في عضلة القلب.

لكن الفارق مهم جدًا بين تأكيد وفاة بعض القيادات وتأكيد وجود حملة منظمة لتصفية 14 قياديًا. الأول قابل للرصد من المصادر المتاحة، أما الثاني فيبقى حتى الآن في دائرة الاتهام السياسي والاشتباه الإعلامي، لا في دائرة الحقيقة المثبتة. وبمعنى أدق: توجد وفيات متقاربة تثير الشبهات والأسئلة، لكن لا توجد حتى لحظة كتابة هذا التقرير أدلة منشورة وموثوقة تثبت أن هذه الوفيات تمت بفعل فاعل أو ضمن خطة تصفية مركزية.

رقم 14.. حقيقة موثقة أم رواية منصات؟

الرقم “14” انتشر في صيغة سياسية ساخرة، خصوصًا عبر منشورات تتحدث عن أن الرئيس السوري أحمد الشرع “يتخلص بهدوء” من قادة الفصائل والميليشيات المتشددين. لكن البحث في المصادر المفتوحة يُظهر أن هذه الصيغة ظهرت بالأساس عبر منشورات على “فيسبوك” و“إكس”، بينما لم تظهر في بيان رسمي واضح أو تحقيق مستقل موثوق يثبت أن 14 قياديًا من وزارة الدفاع توفوا جميعًا خلال أيام وبالأسباب نفسها.

“تداولت منصات ومواقع محلية رواية عن وفاة 14 قياديًا، بينما أمكن رصد عدة حالات وفاة معلنة أو متداولة، ولم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي شامل للرقم أو لملابسات كل حالة.” 

لماذا تثير هذه الوفيات كل هذا الجدل؟

السبب لا يتعلق بالوفيات وحدها، بل بالسياق السياسي والعسكري المحيط بها. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود القيادة الجديدة، دخلت سوريا مرحلة إعادة تركيب شاملة للمؤسسة العسكرية. في ديسمبر 2024، جرى الإعلان عن اتفاق بين أحمد الشرع وقادة فصائل معارضة سابقة لحل الفصائل ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع، في محاولة لتوحيد السلاح داخل الدولة الجديدة.

وفي مايو 2025، أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة دمج جميع الوحدات العسكرية تحت وزارة الدفاع، ودعا المجموعات الصغيرة المتبقية إلى الانضمام خلال 10 أيام، في خطوة قالت رويترز إنها تهدف إلى ترسيخ سلطة الدولة بعد أشهر من سقوط الأسد، وسط تحدي انتشار السلاح خارج السيطرة الحكومية.

هنا تحديدًا تبدأ الشكوك. فحين يتحول قادة الفصائل من أمراء حرب محليين إلى ضباط داخل بنية مركزية، يصبح السؤال: هل يندمجون فعلًا؟ أم يحتفظون بولاءاتهم القديمة؟ وهل تقبل الدولة الجديدة بوجود قادة يملكون شبكات مسلحة ونفوذًا مناطقيًا وذاكرة صراعات داخلية؟ هذا المناخ يجعل أي وفاة مفاجئة لقائد عسكري مادة جاهزة للتأويل والاتهام.

وزارة الدفاع الجديدة.. دمج أم إعادة تغليف للفصائل؟

المعضلة الأعمق أن عملية الدمج لم تكن، بحسب تقارير بحثية، عملية إصلاح مؤسسي كاملة بقدر ما كانت في كثير من الحالات إعادة تسمية للفصائل ضمن ألوية وفرق رسمية. وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أشارت في تقريرها عن سوريا إلى أن وزارة الدفاع بدأت منذ يناير 2025 تشكيل جيش جديد عبر دمج فصائل المعارضة السابقة، لكنها قالت إن كثيرًا من هذه الفصائل انضمت إلى هيكل الوزارة دون إصلاح أو إعادة هيكلة حقيقية، وأن الوزارة جمعت وحدات مرتبطة بهيئة تحرير الشام، وفصائل مدعومة من تركيا، وتشكيلات جديدة، داخل سلسلة قيادة معقدة ومجزأة.

والأخطر أن التقرير نفسه أشار إلى أن وزارة الدفاع أعلنت في مايو دمج جميع المجموعات المسلحة، لكنها قالت أيضًا إن تقييمات لاحقة رأت أن الحكومة المؤقتة لا تملك سيطرة كاملة على مختلف الفصائل التي أصبحت رسميًا جزءًا من الوزارة. هذا يعني أن “الدولة” قد تكون على الورق موحدة، بينما الواقع الميداني لا يزال موزعًا بين قيادات وشبكات ومصالح محلية.

هل تتخلص الثورة من أبنائها؟

السؤال هنا ليس جديدًا في تاريخ الثورات. كثير من الثورات تبدأ بتحالف واسع ضد عدو مشترك، ثم تدخل بعد الانتصار في مرحلة تصفية نفوذ داخلية: من يحمل السلاح؟ من يقرر؟ من يبقى في الصورة؟ ومن يتحول من بطل ثوري إلى عبء على الدولة الجديدة؟

في الحالة السورية، توجد ثلاثة سيناريوهات تفسيرية لا يمكن تجاهلها:

 

السيناريو الأول: مصادفات صحية مضخمة إعلاميًا.
سنوات الحرب الطويلة، الضغط النفسي، الإصابات، نمط الحياة العسكري، والسجل الصحي غير المعروف لكثير من القادة قد تجعل النوبات القلبية واردة. هذا تفسير ممكن، خصوصًا مع غياب أدلة جنائية معلنة.

السيناريو الثاني: صراع نفوذ داخل المؤسسة الجديدة.
إذا كانت بعض الفصائل قد اندمجت شكليًا فقط، فقد تصبح عملية بناء جيش مركزي فرصة لإزاحة القيادات الأكثر تشددًا أو الأقل انضباطًا أو الأكثر استقلالًا. هذا لا يعني بالضرورة القتل أو التصفية، لكنه يعني أن المؤسسة الجديدة قد تمارس ضغوطًا سياسية وأمنية شديدة لإعادة ترتيب مراكز القوة.

السيناريو الثالث: حرب روايات واختراق إعلامي.
قد تكون بعض الأطراف المناوئة للحكم الجديد تستغل أي وفاة مفاجئة لتضخيم رواية “التصفية الداخلية”، كما قد تستغل السلطة نفسها الغموض لإرسال رسالة ردع غير مباشرة لمن يرفض الاندماج الكامل. في بيئة سورية معقدة، الرواية أحيانًا تصبح سلاحًا موازيًا للسلاح.

من “الثورة” إلى “الدولة”.. اللحظة الأخطر

جوهر الأزمة أن الفصائل التي قاتلت لسنوات لا تتحول تلقائيًا إلى جيش وطني بمجرد تغيير اللافتة. الدولة تحتاج إلى عقيدة عسكرية موحدة، قانون، قيادة مركزية، محاسبة، واحتكار كامل للسلاح. أما الفصائل فتقوم غالبًا على الولاء الشخصي، التمويل، المنطقة، العقيدة، والعلاقات الخارجية.

لهذا فإن عملية دمج الفصائل في سوريا ليست تفصيلًا إداريًا، بل هي أخطر اختبار للسلطة الجديدة. رويترز نقلت أن الشرع جمع أكثر من 12 قائدًا من الفصائل في القصر الرئاسي في يناير 2025، وأن كل قائد حصل على فرقة عسكرية ورتبة، وتعهدوا بدمج فصائلهم في الجيش الجديد. لكن التحقيق نفسه أشار إلى هشاشة هذا “الوحدة” لاحقًا خلال أحداث الساحل، عندما شاركت وحدات حكومية وفصائل وميليشيات سابقة في أعمال قتل واسعة ضد العلويين، بحسب تحقيق رويترز.

هذا السياق يجعل سؤال “هل تتخلص الثورة من أبنائها؟” مشروعًا سياسيًا، لا اتهامًا مثبتًا. لأن الثورة حين تدخل القصر، تبدأ في الخوف من رفاق الخندق. وحين تصبح الفصائل جزءًا من وزارة الدفاع، يصبح القائد السابق إما رجل دولة جديدًا، أو مركز قوة مستقلًا يجب تطويعه، أو خطرًا مؤجلًا.

الوفيات الغامضة ورسالة “الاندماج أو الخروج”

العبارة الساخرة: “إما تندمج أو تربح نوبة قلبية” تعبّر عن قراءة شعبية متشائمة لما يجري. وهي لا تصلح كحقيقة خبرية، لكنها تصلح كمدخل لفهم المزاج العام: قطاع من المتابعين لا يصدق أن هذا العدد من القيادات يمكن أن يغيب فجأة بأزمات صحية متقاربة دون أسئلة.

لكن مهنيًا، المطلوب ليس ترديد الاتهام، بل المطالبة بـ3 أمور واضحة:

أولًا، نشر وزارة الدفاع السورية بيانات تفصيلية عن حالات الوفاة، تشمل الاسم، المنصب، تاريخ الوفاة، السبب الطبي، ومكان الوفاة.

ثانيًا، السماح بتقارير طبية أو جنائية مستقلة في الحالات التي أثارت جدلًا واسعًا.

ثالثًا، إعلان خريطة واضحة لهيكلة الجيش الجديد: من يقود الفرق؟ ما خلفياتهم؟ ما معايير الترقية والعزل؟ وكيف تتم محاسبة الفصائل التي كانت متهمة بانتهاكات قبل الدمج؟

لماذا لا يكفي النفي الرسمي؟

حتى لو قالت السلطة إن الوفيات طبيعية، فلن يكون ذلك كافيًا في بيئة فقدت الثقة لعقود. سوريا خرجت من نظام أمني طويل، ثم من حرب أهلية، ثم من مرحلة فصائلية شديدة التعقيد. لذلك، لا يكفي البيان المختصر، بل لا بد من شفافية كاملة. فكل غموض يفتح الباب أمام نظرية مؤامرة، وكل وفاة بلا تفاصيل تتحول إلى ذخيرة سياسية في معركة الروايات.

كما أن ملف الانتهاكات المرتبطة ببعض الفصائل يزيد حساسية المشهد. وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء تحدثت عن فصائل من الجيش الوطني السوري ظلت تعمل باستقلالية رغم دمجها الرسمي، وذكرت أسماء قادة عُينوا في مواقع عسكرية رغم اتهامات أو ارتباطات بانتهاكات حقوقية.

سلسلة وفيات مثيرة

حتى الآن، لا يمكن تأكيد رواية “وفاة 14 قياديًا” بوصفها حقيقة موثقة من مصادر رسمية أو دولية مستقلة. لكن يمكن تأكيد وجود سلسلة وفيات مثيرة للجدل شملت قيادات عسكرية مرتبطة بوزارة الدفاع أو الفصائل المدمجة، بعضها نُسب إلى نوبات قلبية أو أزمات مفاجئة. كما يمكن تأكيد أن هذه الوفيات تأتي في لحظة سياسية بالغة الحساسية، حيث تسعى السلطة السورية الجديدة إلى فرض احتكار السلاح ودمج الفصائل داخل وزارة الدفاع، وسط شكوك حول مدى السيطرة الفعلية على هذه التشكيلات.

المشهد إذن لا يقدم إجابة قاطعة، لكنه يطرح سؤالًا مرعبًا: هل نحن أمام دولة جديدة تحاول بناء جيش موحد؟ أم أمام ثورة بدأت تلتهم قادتها بعدما انتهت معركة إسقاط النظام؟ وبين “النوبة القلبية” كسبب طبي، و“التصفية الناعمة” كاتهام سياسي، تبقى الحقيقة معلقة في منطقة رمادية لا يبددها إلا تحقيق شفاف، لا منشور ساخر ولا بيان مقتضب.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.