تتزايد في الأوساط السياسية والإعلامية تساؤلات مقلقة حول ما إذا كان الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة دمار مُخطّط، تُدار بخيوط أمريكية–إسرائيلية، مستفيدة من تحولات كبرى في ميزان الطاقة والنفوذ العالمي.
هذه المخاوف تجد وقودها في التصريحات التصعيدية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتزامنها مع العملية الأمريكية غير المسبوقة لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وما تبعها من حديث عن ضمان تدفق النفط الفنزويلي للأسواق العالمية.
في هذا السياق، لم يعد خطاب نتنياهو مجرّد توصيف أيديولوجي للصراع، بل بات—وفق محللين—جزءًا من سردية تعبئة كبرى قد تهيّئ الرأي العام الدولي لمرحلة جديدة من الصدامات الإقليمية، عنوانها: إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة.
خطاب نتنياهو: لغة صدام حضاري
في خطاب أمام الكنيست، أعلن نتنياهو أن:
«إسرائيل تقود العالم المتحضر في مواجهة البرابرة والشر في الشرق الأوسط».
هذا الوصف، الذي قسّم العالم إلى «متحضّرين» و«برابرة»، يعكس—بحسب خبراء—لغة صدام حضاري تتجاوز الدفاع السياسي إلى شرعنة الحروب الوقائية.
وأكد نتنياهو أن المسؤولين في الولايات المتحدة «يقدّرون هذا الدور جيدًا»، في إشارة واضحة إلى التنسيق العميق مع واشنطن، ليس فقط عسكريًا، بل في صياغة رواية الصراع.

من فنزويلا إلى الشرق الأوسط: خيط واحد؟
دعم نتنياهو العلني للهجوم الأمريكي في فنزويلا لم يكن تفصيلًا عابرًا. فبحسب قراء تحليلية، فإن ضمان السيطرة على النفط الفنزويلي:
-
يخفف الضغط عن أسواق الطاقة
-
يمنح واشنطن هامش مناورة أوسع
-
يفتح الباب أمام تصعيد منظم في الشرق الأوسط دون الخشية من صدمة نفطية عالمية
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل جاء التحرك في فنزويلا كخطوة تمهيدية لإطلاق يد واشنطن وتل أبيب في الشرق الأوسط؟
نتنياهو و«قيادة العالم المتحضر»
وصف نتنياهو الصراع بأنه:
«مواجهة حقيقية بين دول تقاتل من أجل التقدم والحرية، ومجموعات ودول تمثل خطرًا وجوديًا على النظام العالمي».
هذه الصياغة:
-
تضع إسرائيل في موقع قائد المعسكر الغربي
-
تُحوّل خصومها إلى تهديد كوني
-
تُبرّر أي عمل عسكري باعتباره دفاعًا عن «النظام العالمي»
ويرى محللون أن هذا الخطاب يُستخدم لتوسيع ساحات الصراع، من غزة ولبنان وسوريا، إلى إيران وربما أبعد.
الشرق الأوسط بين التوقعات والسيناريوهات
سيناريو «الدمار المخطّط»
وفق هذا الطرح:
-
تُدار الأزمات بشكل متسلسل
-
تُستنزف قوى الإقليم عبر حروب متفرقة
-
تُعاد رسم خرائط النفوذ بما يخدم إسرائيل والولايات المتحدة
سيناريو الردع الشامل
في المقابل، يرى آخرون أن التصعيد الكلامي يهدف إلى:
-
ردع الخصوم
-
فرض توازن رعب
-
منع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة
غير أن حدة الخطاب، وتزامنه مع تحركات عسكرية فعلية، يُضعف هذا التفسير المتفائل.
الطاقة… الوقود الخفي للصراعات
لا يمكن فصل ما يجري عن معادلة الطاقة العالمية:
-
النفط الفنزويلي يوفّر بديلًا آمنًا
-
يقلّل من تأثير أي اضطراب نفطي في الخليج
-
يمنح واشنطن حرية أكبر لدعم حروب حلفائها
وبهذا المعنى، تصبح فنزويلا قطعة شطرنج في لعبة أكبر، عنوانها الشرق الأوسط.
قراءة نقدية: هل تُصدّق التوقعات؟
التاريخ القريب يُظهر أن:
-
كل حرب كبرى سُبقت بخطاب أخلاقي تعبوي
-
كل «إعادة تشكيل» بدأت بذريعة الأمن العالمي
-
النتائج غالبًا كانت فوضى طويلة الأمد
من هنا، لا تبدو مخاوف «الدمار المخطط» ضربًا من الخيال، بل احتمالًا واقعيًا في ظل:
-
تآكل القانون الدولي
-
تغليب منطق القوة
-
تحالفات بلا قيود أخلاقية
صورة مقلقة لعالم يدار بمنظف الأستعداد للحرب
بين تصريحات نتنياهو، والتحركات الأمريكية في فنزويلا، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، تتبلور صورة مقلقة لعالم يُدار بمنطق التهيئة للحرب.
قد لا يكون الدمار حتميًا، لكن المسار الحالي يوحي بأن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الخطورة، حيث تُستخدم الطاقة، والخطاب الحضاري، والتحالفات العسكرية، كأدوات في مشروع إعادة تشكيل واسع.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل الشرق الأوسط على أعتاب دمار مخطط، أم أن التصعيد سيُفرمل عند حدود الردع؟


