في تطور شديد الحساسية، عاد السؤال الأخطر إلى قلب المشهد الإقليمي: هل يمكن أن تكون إسرائيل قد استخدمت قواعد سرية داخل العراق لتنفيذ أو تسهيل ضربات ضد أهداف عربية، ثم توجيه الاتهام نحو إيران وحلفائها من أجل دفع دول الخليج إلى قلب حرب لا تريدها؟ السؤال لم يعد مجرد افتراض سياسي عابر، بعدما أعلنت الإمارات أن التحقيقات الفنية في الهجوم بالمسيرات على محطة براكة للطاقة النووية يوم 17 مايو 2026 أظهرت أن الطائرات الثلاث انطلقت من الأراضي العراقية، بينما تزامن ذلك مع تقارير عن اكتشاف قاعدة إسرائيلية ثانية في صحراء العراق استخدمت في عمليات ضد إيران.
تحقيقات الإمارات.. المسيرات جاءت من العراق
بحسب ما نقلته تقارير دولية، قالت وزارة الدفاع الإماراتية إن التتبع الفني والمراقبة أكدا أن المسيرات التي استهدفت محطة براكة للطاقة النووية انطلقت من الأراضي العراقية، في هجوم أثار قلقًا واسعًا بسبب حساسية المنشأة النووية، رغم عدم تسجيل تسرب إشعاعي أو خسائر بشرية وفق ما أوردته تقارير صحفية.
هذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل المشهد أكثر تعقيدًا؛ فالعراق هنا لا يظهر فقط كساحة عبور أو منطقة رخوة أمنيًا، بل كأرض قد تكون مفتوحة أمام أكثر من لاعب إقليمي ودولي، من الميليشيات المرتبطة بإيران، إلى شبكات استخباراتية وعسكرية قد تعمل في الظل.
القاعدة الإسرائيلية الثانية.. ما الذي تغير؟
بالتزامن مع إعلان مصدر الهجوم من العراق، كشفت تقارير إعلامية، نقلًا عن “نيويورك تايمز”، عن اكتشاف قاعدة إسرائيلية سرية ثانية في صحراء العراق، قيل إنها استُخدمت في العمليات ضد إيران. وهذا التطور يطرح سؤالًا خطيرًا: إذا كانت هناك قاعدة ثانية اكتُشفت، فهل توجد قواعد أخرى لم تُكشف بعد؟
وجود قواعد إسرائيلية سرية داخل العراق، إن تأكد نطاقه الكامل، يعني أن الساحة العراقية لم تعد مجرد ساحة نفوذ إيراني أو أمريكي، بل أصبحت أيضًا جزءًا من حرب استخباراتية معقدة تستخدم فيها الجغرافيا العراقية لتنفيذ عمليات بعيدة عن الأنظار.

محطة براكة الاماراتية
هل توجد علاقة مباشرة بين الهجوم والقاعدة؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية قاطعة تثبت أن إسرائيل استخدمت قاعدة سرية في العراق لضرب الإمارات أو محطة براكة. المتاح حاليًا هو تقاطع زمني ومكاني خطير: هجوم على الإمارات مصدره العراق، وتقارير عن قواعد إسرائيلية سرية داخل العراق استخدمت ضد إيران.
لكن في السياسة والأمن، لا يكون التقاطع وحده دليلًا نهائيًا، بل مؤشرًا يحتاج إلى تحقيق مستقل وشفاف. لذلك، يمكن القول إن الفرضية مطروحة بقوة في سياق حرب الظلال، لكنها لم تتحول بعد إلى حقيقة مثبتة.
سيناريو التوريط.. لماذا يبدو السؤال مخيفًا؟
الفرضية التي يطرحها مراقبون تقوم على أن إسرائيل قد تكون مستفيدة من ضرب أهداف عربية حساسة بطريقة تُظهر إيران أو حلفاءها كمسؤولين، بهدف دفع دول الخليج إلى موقف أكثر عدائية ضد طهران.
هذا السيناريو، إن صح، يعني أن الضربة لا تستهدف الإمارات كعدو مباشر، بل تستهدف استخدامها سياسيًا وعسكريًا داخل معادلة أكبر: تحويل الغضب الخليجي إلى وقود في حرب ضد إيران، بحيث يصبح العرب قوات إسناد في مواجهة تخدم حسابات إسرائيلية بالأساس.
وهنا تكمن خطورة السؤال؛ لأن أي خطأ في تحديد الجهة المنفذة قد يدفع المنطقة كلها نحو حرب واسعة، بناءً على انطباع سياسي لا على دليل مكتمل.
إيران أم إسرائيل أم طرف ثالث؟ العراق يصبح مسرحًا مفتوحًا
الروايات الغربية أشارت إلى احتمال تورط جماعات موالية لإيران انطلاقًا من العراق، في سياق نمط متكرر من هجمات المسيرات المرتبطة بالصراع الإقليمي. لكن وجود تقارير عن قواعد إسرائيلية سرية داخل العراق يضيف احتمالًا آخر لا يمكن تجاهله، حتى لو لم يكن مثبتًا بعد.
وبين الاحتمالين، يظهر العراق كساحة مفتوحة، تتداخل فيها حسابات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، بينما تصبح المسيرات أداة مثالية للحرب الغامضة: تضرب من بعيد، وتترك خلفها أسئلة أكثر من الإجابات.
محطة براكة.. خط أحمر نووي في قلب الخليج
خطورة الهجوم لا تكمن فقط في كونه استهدف الإمارات، بل في أنه اقترب من منشأة نووية مدنية شديدة الحساسية. فقد أثار الهجوم مخاوف دولية بشأن أمن المنشآت النووية في زمن الحروب، خصوصًا أن محطة براكة تُعد منشأة استراتيجية لإنتاج الطاقة في الإمارات.
أي استهداف لمحيط منشأة نووية، حتى دون تسرب إشعاعي، يرفع مستوى الخطر إلى درجة مختلفة تمامًا؛ لأن الخطأ هنا لا يهدد دولة واحدة فقط، بل قد يفتح كارثة إقليمية واسعة.
اتهام خطير ينتظر الدليل
السؤال: هل استخدمت إسرائيل قاعدتها السرية في صحراء العراق لضرب الإمارات؟
الإجابة الدقيقة حتى الآن: لا يوجد دليل علني حاسم يثبت ذلك. لكن هناك معطيات تجعل السؤال مشروعًا وخطيرًا: الإمارات تقول إن المسيرات جاءت من العراق، وتقارير تتحدث عن قاعدة إسرائيلية ثانية داخل العراق، والمنطقة تعيش حرب ظلال تتداخل فيها الرسائل العسكرية بالخداع السياسي.
الأخطر أن أي طرف قد يحاول استخدام العراق كمنصة لضرب الخليج، ثم دفع الاتهام نحو إيران أو غيرها، بهدف جر المنطقة إلى حرب أكبر. لذلك، فإن المطلوب ليس الانجراف وراء اتهام غير محسوم، بل تحقيق دولي شفاف يكشف: من أطلق المسيرات؟ من وفّر لها الطريق؟ ومن المستفيد الحقيقي من إشعال الخليج في هذا التوقيت؟


