أموال إيران لدى أمريكا.. هل تتجاوز 200 مليار دولار؟ وما حقيقة تصريح فانس؟
عادت قضية الأموال الإيرانية المجمدة إلى الواجهة بقوة، بعد حديث نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن وجود أرقام ضخمة مرتبطة بالأصول الإيرانية المجمّدة، في وقت تتقاطع فيه هذه القضية مع التطورات السياسية الأخيرة بين واشنطن وطهران. لكن السؤال الأهم هو: هل هذه الأموال موجودة فعلًا داخل الولايات المتحدة؟ وهل رقم 200 مليار دولار دقيق؟ الإجابة المختصرة: الصورة أكثر تعقيدًا مما يبدو. فالأموال الإيرانية ليست كلها داخل أمريكا، بل إن جزءًا مهمًا منها موجود في دول أخرى، لكنه بقي مجمدًا أو مقيدًا بسبب شبكة العقوبات الأمريكية والدولية.
ماذا قال فانس؟
بحسب تغطية نشرتها وكالة شينخوا لحديث فانس بعد بدء مسار التفاهم الأمريكي الإيراني، فإن نائب الرئيس الأمريكي أشار إلى أن ملف الأصول الإيرانية المجمدة قد يتعلق بمئات المليارات من الدولارات، وهو ما يعكس حجم التعقيد المالي والسياسي في هذا الملف. لكن حتى الآن، لا يوجد كشف رسمي أمريكي منشور يحدد رقمًا نهائيًا جامعًا يثبت أن الأموال التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وحدها تتجاوز 200 مليار دولار؛ لذلك يجب التعامل مع هذا الرقم باعتباره تقديرًا سياسيًا أو تداوُلًا غير محسوم رسميًا، لا كحقيقة محاسبية نهائية.
ما المقصود أصلًا بـ”الأموال الإيرانية المجمدة“؟
المقصود بهذه الأموال هو الأصول والحسابات والعوائد المالية التابعة للحكومة الإيرانية أو البنك المركزي الإيراني أو المؤسسات المالية الإيرانية، والتي تم تجميدها أو تقييد استخدامها نتيجة العقوبات. وزارة الخزانة الأمريكية أوضحت منذ 2012 أن الأمر التنفيذي الأمريكي قام بحظر وتجميد كل ممتلكات حكومة إيران والبنك المركزي الإيراني والمؤسسات المالية الإيرانية الواقعة داخل الولايات المتحدة أو الداخلة في نطاق سيطرة أشخاص أمريكيين. وهذا يعني أن أي أصل إيراني يقع ضمن الولاية الأمريكية يصبح عرضة للتجميد القانوني المباشر.

هل الأموال كلها موجودة داخل أمريكا؟
هنا تظهر النقطة الأهم التي يختلط فهمها كثيرًا في التغطيات الإعلامية. ليس كل ما يُقال عنه “أموال إيرانية مجمدة” موجودًا داخل الولايات المتحدة فعليًا. فجزء معتبر من هذه الأموال هو في الأصل أموال إيرانية موجودة في بنوك أجنبية أو ناتجة عن مبيعات نفط جرت في دول أخرى، ثم جرى تعطيل الوصول إليها بسبب العقوبات الأمريكية. لذلك، فإن التعبير الأدق ليس دائمًا “أموال إيران لدى أمريكا”، بل أحيانًا “أموال إيران المجمدة بسبب أمريكا أو تحت تأثير العقوبات الأمريكية”. وهذه نقطة جوهرية لفهم الفارق بين السيطرة القانونية الأمريكية المباشرة، وبين التجميد غير المباشر عبر النظام المالي الدولي.
ما المبلغ المؤكد علنًا حتى الآن؟
أبرز رقم موثق بوضوح في السنوات الأخيرة هو 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المرتبطة بمبيعات نفط إلى كوريا الجنوبية. ووفق تقرير رويترز، سمحت الولايات المتحدة في 2023 بنقل هذه الأموال من حسابات مقيدة في كوريا الجنوبية إلى حسابات مقيدة في قطر، مع التأكيد على أنها تبقى مخصصة للتجارة الإنسانية فقط وليست متاحة لاستخدام حر من جانب طهران. ثم أوضحت تقارير لاحقة أن هذه الأموال لم تُصرف لإيران مباشرة، وأنها بقيت في الدوحة تحت رقابة وقيود محددة.
كما أفادت رويترز في أبريل 2026 بأن أحد محاور التفاوض كان الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، وأن مصدرًا إيرانيًا تحدث عن 6 مليارات دولار تحديدًا موجودة لدى قطر، بينما نفت واشنطن حينها وجود اتفاق مؤكد على الإفراج عنها في ذلك التوقيت. وهذا يوضح أن الأرقام المؤكدة المتاحة علنًا أقل بكثير من الحديث الفضفاض عن “أكثر من 200 مليار دولار” إذا كنا نتحدث عن مبالغ موثقة اسمًا وموقعًا وآلية استخدام.
من أين يأتي إذن رقم 100 أو 200 مليار دولار؟
هذه الأرقام تظهر عادة عندما يتم تجميع فئات متعددة ضمن سلة واحدة:
- أرصدة نقدية وعوائد نفطية مجمدة في بنوك خارجية
- أصول حكومية أو شبه حكومية
- أموال واقعة تحت قيود عقوبات مباشرة أو غير مباشرة
- تقديرات تشمل أصولًا محتجزة في أكثر من دولة وليس في أمريكا فقط
لذلك، فعندما يتحدث مسؤول أمريكي عن أرقام كبيرة جدًا، فغالبًا لا يقصد بها أموالًا موجودة كلها داخل البنوك الأمريكية، بل إجماليًا أوسع لأصول إيرانية مجمدة أو معطلة حول العالم بفعل بنية العقوبات. ومن هنا جاء الانطباع بأن الرقم قد يتجاوز 100 مليار دولار أو حتى أكثر، لكن من دون جرد رسمي علني شامل يبقى هذا في نطاق التقدير السياسي أكثر منه رقمًا محاسبيًا نهائيًا.
لماذا يفتح هذا الملف الآن؟
لأن الأموال المجمدة تمثل ورقة تفاوض مركزية بين واشنطن وطهران. فكل حديث عن تخفيف عقوبات أو نقل أموال أو السماح باستخدام أرصدة مقيدة يعني عمليًا تقديم حافز اقتصادي لإيران مقابل التزامات سياسية أو نووية أو أمنية. كما أن إدراج هذا الملف ضمن المباحثات يفسر حساسية تصريحات فانس؛ فالإدارة الأمريكية تعرف أن أي حديث عن “الإفراج عن أموال” يثير جدلًا داخليًا واسعًا، خصوصًا إذا بدت الأرقام ضخمة جدًا في نظر الرأي العام الأمريكي.
أصول إيران المجمدة
الخلاصة الواضحة من المعطيات المتاحة هي أن هناك بالفعل أموالًا وأصولًا إيرانية مجمدة ضخمة، لكن القول إن أمريكا وحدها تحتفظ بأكثر من 200 مليار دولار من أموال إيران يحتاج إلى تدقيق شديد. المؤكد أن الولايات المتحدة تفرض إطارًا قانونيًا واسعًا لتجميد الأصول الإيرانية الواقعة ضمن ولايتها، والمؤكد أيضًا أن هناك أموالًا إيرانية كبيرة مجمدة أو مقيدة في دول أخرى بسبب العقوبات الأمريكية، مثل الأموال التي نُقلت من كوريا الجنوبية إلى قطر. أما رقم 200 مليار دولار، فحتى الآن لا يوجد كشف رسمي أمريكي منشور يثبته بوصفه إجماليًا نهائيًا للأموال الموجودة لدى واشنطن نفسها. والأدق صحفيًا هو القول إن الملف قد يشمل أصولًا بمئات المليارات عالميًا، لكن الجزء الموجود مباشرة داخل أمريكا ليس هو بالضرورة كامل هذا الرقم.


