تعود علاقات روسيا مع حلفائها إلى واجهة الجدل مجددًا، مع تصاعد أسئلة قديمة–جديدة حول سياسة المقايضة التي تنتهجها موسكو في ملفاتها الكبرى مع الولايات المتحدة والغرب:
هل تُقدِّم روسيا أوراق حلفائها على طاولة التفاوض عندما تشتد الضغوط؟ وهل يمكن أن تتكرر سيناريوهات “التخلي” في ملفات حسّاسة كما يروّج البعض، وصولًا إلى التساؤل الأخطر: هل يمكن أن تُساوِم موسكو على إيران؟
هذا التقرير يحاول تفكيك الصورة بعيدًا عن الشعارات، بالاستناد إلى الوقائع، والسياق التاريخي، وطبيعة المدرسة الواقعية التي تحكم القرار الروسي.
روسيا والواقعية السياسية: تحالفات بلا عواطف

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، أعادت موسكو صياغة سياستها الخارجية وفق المدرسة الواقعية التي تُقدّم المصالح الصلبة على الأيديولوجيا. في هذا الإطار، تُدار التحالفات باعتبارها أدوات مرنة لا “عهودًا أبدية”.
هذا النهج لا يقتصر على روسيا وحدها؛ لكنه يصبح أكثر وضوحًا لديها بسبب:
-
ضغط العقوبات الغربية.
-
تعدد الجبهات (أوكرانيا، الطاقة، النفوذ الإقليمي).
-
الرغبة في انتزاع اعتراف دولي بدورها كقوة عظمى.
المقايضة مع واشنطن: ماذا تعني عمليًا؟
المقايضة لا تعني بالضرورة “بيع الحلفاء”، بل تبادل تنازلات تكتيكية عبر مسارات غير مباشرة:
-
تخفيف تصعيد هنا مقابل تهدئة هناك.
-
ضبط إيقاع دعم سياسي أو عسكري في ملف، مقابل مكاسب اقتصادية أو أمنية في ملف آخر.
لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول المقايضة في نظر الحلفاء إلى تراجع عن التزامات ضمنية.

فنزويلا ونيكولاس مادورو: بين الرواية والواقع
يُثار في الإعلام أن موسكو “تخلّت” عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. الواقع أكثر تعقيدًا:
-
روسيا احتفظت بعلاقات اقتصادية–طاقوية مع كاراكاس.
-
الدعم السياسي الروسي كان محسوب السقف لتجنب صدام مباشر مع واشنطن.
-
لم تُقدم موسكو ضمانات أمنية شاملة تُشبه التحالفات الدفاعية الصلبة.
الخلاصة: الدعم كان موجودًا لكنه غير كافٍ لتغيير ميزان القوة، وهو فارق جوهري بين “التخلي” و“الحدّ من الانخراط”.
سوريا وبشار الأسد: نفوذ محفوظ لا سيطرة مطلقة
في الملف السوري، يُتداول أن روسيا “سلّمت سوريا” لقوى إقليمية. القراءة الأدق:
-
موسكو تدخلت عسكريًا عام 2015 لحماية الدولة ومنع الانهيار.
-
لكنها نسّقت ميدانيًا مع أطراف متعددة لتجنّب حرب إقليمية شاملة.
-
لم تدّعِ روسيا يومًا أنها المهيمن الوحيد على المشهد.
الرئيس السوري بشار الأسد بقي حليفًا، لكن التحالف لم يمنع تفاهمات ميدانية روسية مع قوى أخرى، ضمن حسابات تقليل الكلفة وتعظيم المكاسب.
إيران: حليف الضرورة أم خط أحمر؟
السؤال الأبرز: هل يمكن أن تُساوِم روسيا على إيران؟
الإجابة المختصرة: صعب، لكن ليس مستحيلًا تكتيكيًا.
إيران تمثل لروسيا:
-
شريكًا في كسر العقوبات.
-
ركيزة نفوذ إقليمي في الشرق الأوسط.
-
ورقة ضغط في مواجهة الغرب.
لكن في المقابل:
-
المصالح ليست متطابقة.
-
موسكو قد تُعيد ضبط مستوى الدعم إذا وجدت مكاسب استراتيجية أكبر، دون “قطيعة كاملة”.
من ناصر إلى السادات: ذاكرة الشك التاريخية
تُستدعى دائمًا مقولة الرئيس المصري الراحل أنور السادات عن أن “الروس خانوا” الرئيس جمال عبد الناصر ومصر.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع توصيف “الخيانة”، فإن الثابت أن:
-
التحالفات الكبرى تتغير بتغير المصالح.
-
لا توجد قوة عظمى تمنح دعمًا بلا مقابل أو بلا سقف.
هذه الذاكرة التاريخية تُغذي الشك العربي المعاصر في أي تحالف دولي غير محكوم بضمانات صلبة.

هل تكسب موسكو أم تخسر؟
مكاسب محتملة
-
تخفيف الضغوط الغربية.
-
فتح قنوات تفاوض مع واشنطن.
-
الحفاظ على هامش مناورة واسع.
خسائر محتملة
-
تآكل الثقة مع الحلفاء.
-
البحث عن بدائل إقليمية من قبل الشركاء.
-
صورة “الحليف البراغماتي” لا “الحليف الموثوق”.
تحالفات بميزان المصالح لا الشعارات
روسيا لا تتحرك بدافع العاطفة ولا الأيديولوجيا، بل وفق ميزان مصالح دقيق. من ينتظر منها “وفاءً مطلقًا” سيصاب بخيبة أمل، ومن يتعامل معها ببراغماتية ووعي بالحدود سيحسن إدارة العلاقة.
أما السؤال النهائي: هل تتخلى روسيا عن إيران؟
الأقرب أن موسكو ستُمسك العصا من الوسط: دعم محسوب، ومقايضات تكتيكية، دون قطيعة شاملة—إلى أن تتغير موازين القوى من جديد.


