يتصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط، ومع تحريك الولايات المتحدة لحاملات طائراتها في المنطقة، وعلى رأسها الحاملة “جيرالد فورد” التي رست مؤخرًا في ميناء حيفا الإسرائيلي، عاد الحديث عن سيناريو المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، بما في ذلك احتمال الحرب البرية.
وفي هذا السياق، أطلق الخبير الروسي يفغيني فيودروف تحذيرًا لافتًا للولايات المتحدة، مفاده أن “إيران ستكون صعبة على أسنانك يا ترامب”، في إشارة إلى أن أي مغامرة عسكرية واسعة ضد طهران قد تتحول إلى صراع مكلف ومعقد يتجاوز حسابات الردع التقليدي.
التحذير الروسي.. قراءة في ميزان القوة
التقدير الروسي للوضع العسكري الحالي ينطلق من عدة معطيات:
-
الخبرة الإيرانية في المواجهة غير المتكافئة
طهران، وفق القراءة الروسية، لم تعد تعتمد فقط على الردع الصاروخي، بل طورت منظومة متكاملة من الدفاع متعدد الطبقات، والحرب غير المتماثلة، وتفعيل الحلفاء الإقليميين. -
الاستفادة من المواجهات السابقة
يشير التقييم إلى أن إيران استفادت من المواجهات الأخيرة التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، سواء في اختبار أنظمة الدفاع أو في تطوير آليات الرد السريع، ما يمنحها خبرة عملياتية ميدانية حديثة.
هل الحرب البرية واقعية؟
التقدير الروسي يذهب إلى استحالة إقدام الولايات المتحدة على عمل بري واسع ضد إيران في المرحلة الحالية، مستندًا إلى عدة عوامل:
1. حجم القوات المطلوبة

الحرب البرية ضد دولة بحجم إيران ومساحتها وجغرافيتها الجبلية تتطلب نشر قوات ضخمة لفترة طويلة.
وفق المقارنات التاريخية، احتاجت الولايات المتحدة إلى تحشيد طويل الأمد قبل غزو العراق، رغم الفارق الكبير في التوازن العسكري.
أي تدخل بري ضد إيران قد يتطلب عامًا كاملًا من التحضير اللوجستي ونقل المعدات والقوات، وهو ما يصعب تمريره سياسيًا في الداخل الأمريكي.
2. الجغرافيا والتحصينات
إيران ليست ساحة مفتوحة، بل دولة ذات تضاريس وعرة وسلاسل جبلية معقدة، ما يجعل العمليات البرية بطيئة ومكلفة، ويمنح المدافع أفضلية تكتيكية.
3. الحشد البشري
التقييم الروسي يشير إلى أن إيران حشدت بين 500 و600 ألف جندي، إضافة إلى نحو 350 ألف عنصر من الحرس الثوري.
حتى لو كانت هذه الأرقام محل جدل، فإنها تعكس رؤية موسكو بأن أي حرب برية ستكون مواجهة استنزاف لا حسم سريعًا.
مضيق هرمز.. الورقة الأخطر
ضمن الرؤية الروسية، يمثل مضيق هرمز نقطة التحول الكبرى في أي صراع.
إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه يعني صدمة مباشرة لأسواق الطاقة العالمية، ما قد يرفع أسعار النفط ويضغط على الاقتصاد الدولي.
كما ترى موسكو أن إيران قد تلجأ إلى تكتيكات بحرية غير تقليدية، مثل الألغام البحرية والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة، لفرض معادلة ردع ميدانية.
دور الوكلاء.. تعدد الجبهات
التحليل الروسي لا يقتصر على المواجهة المباشرة، بل يركز على شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران في لبنان واليمن والعراق.
أي هجوم أمريكي مباشر قد يفتح جبهات متزامنة تستهدف قواعد ومصالح أمريكية، ما يوسّع نطاق الصراع إقليميًا.
واشنطن بين الردع والتورط
تحريك حاملات الطائرات إلى المنطقة يحمل رسالة ردع واضحة، لكنه لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب البرية قد اتُخذ.
الخبرة الأمريكية بعد العراق وأفغانستان تجعل صناع القرار أكثر حذرًا تجاه الانخراط في صراع طويل ومفتوح.
السؤال الذي تطرحه الرؤية الروسية هو:
هل يمكن للولايات المتحدة تحقيق أهدافها عبر ضربات جوية محدودة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؟
أم أن أي تصعيد سيفرض تدريجيًا خيار المواجهة البرية؟
حرب ممكنة أم ردع متبادل؟
الرؤية الروسية للأزمة الأمريكية الإيرانية تقوم على فرضية أن ميزان الردع تغير، وأن إيران باتت قادرة على رفع كلفة أي تدخل عسكري مباشر إلى مستوى غير مقبول سياسيًا وعسكريًا لواشنطن.
لكن في المقابل، تظل الولايات المتحدة صاحبة التفوق العسكري الشامل من حيث التكنولوجيا والقدرات البحرية والجوية.
النتيجة النهائية لا تتوقف فقط على القوة، بل على حسابات الكلفة والمدة والتداعيات الإقليمية.
هل نحن أمام حرب برية كبرى؟
أم أن التحذيرات الروسية جزء من معركة الرسائل السياسية في زمن التوتر الدولي؟
الأرجح أن الردع المتبادل سيظل سيد الموقف… ما لم يخطئ أحد الطرفين في قراءة الخط الأحمر.


