الثلاثاء، ٣ مارس ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ م

هل تحولت القواعد الأمريكية في الخليج إلى خطر على الشعوب؟ حرب إيران واختبار “الضمانة الأمريكية

هل أصبحت القواعد الأمريكية في الخليج خطرًا على الشعوب؟ وهل تكون حرب إيران سببًا للتخلي عنها؟

مع أرتفاع ا حرارة الحرب مع إيران وتتسع دوائر الاستهداف من “الميدان” إلى “العمق”، يعود سؤالٌ قديمٌ بثوبٍ جديد: هل وجود القواعد الأمريكية في الخليج يحمي الدول أم يجعلها أهدافًا؟ وهل يمكن أن تتحول حرب إيران إلى نقطة انعطاف تدفع بعض العواصم الخليجية لإعادة تعريف علاقتها العسكرية بواشنطن، أو حتى لتقليص الوجود الأمريكي الذي ترى قطاعات شعبية أنه “يجلب الدمار” بدلًا من صدّه؟

السؤال لا يُجاب عليه بشعارٍ واحد. لأن القواعد ليست مجرد مبانٍ وممرات طائرات؛ هي منظومة ردع وتوازنات، وفي الوقت نفسه مغناطيسٌ للأزمات حين تتفجر الحروب. وبين هذا وذاك تقف حسابات الاقتصاد الأمريكي، وطبيعة السياسة الخارجية “الصفقية/الانتقائية”، وأولوية دعم إسرائيل التي تبدو في كثير من الأزمات أسرع وأوضح من أي التزام تجاه الشركاء العرب.


أولًا: ما معنى “القواعد الأمريكية” في الخليج.. ولماذا هي حساسة؟

الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط ليس تفصيلًا هامشيًا؛ بل هو شبكة قواعد ومنشآت وتموضع قوات ومقار قيادة وإسناد لوجستي. تقارير موثوقة أحصت أبرز المنشآت الأمريكية في المنطقة (مثل العديد في قطر، منشآت الكويت، مقر الأسطول الخامس في البحرين، مواقع في الإمارات… إلخ).

حساسية هذه القواعد تأتي من أمرين متلازمين:

  1. هي جزء من عقيدة الردع: وجودها يرفع كلفة أي تهديد للممرات البحرية والطاقة ويمنح واشنطن سرعة تدخل.

  2. وهي جزء من “خرائط الأهداف”: حين تشتعل الحرب، تصبح القواعد—لا الشعارات—هي نقاط الضغط التي تُختبر بها الإرادات.


ثانيًا: هل أصبحت القواعد “خطرًا على الشعوب”؟ نعم… ولكن ليس دائمًا وبالطريقة نفسها

القول بأن القواعد خطرٌ مطلقٌ على الشعوب تبسيط. الأدق: القواعد تزيد المخاطر في سيناريوهات معينة، وتخفضها في سيناريوهات أخرى.

كيف يمكن أن ترفع القواعد مستوى الخطر؟

1) تحويل المدن إلى أهداف محتملة
في أي مواجهة مع إيران (أو وكلائها)، تتحول القواعد إلى أهداف “منطقية” سياسيًا وعسكريًا، ما يرفع احتمال تعرض محيطها لعمليات صاروخية/مسيرات أو أعمال تخريبية—وبالتالي يصبح المدنيون ضمن نطاق القلق، حتى لو لم يكونوا الهدف المباشر.

2) خطر “التوسع الأفقي” للحرب
الحروب الحديثة لا تظل محصورة. ضربة هنا تفتح جبهة هناك. وكلما تعددت القواعد وتوزعت، زادت احتمالات “سوء التقدير” وتبادل الرسائل بالنار.

3) أثر نفسي/اقتصادي مباشر
مجرد تصاعد التوتر حول القواعد يكفي لرفع التأمين والشحن وتعطيل رحلات وخلق ذعر استثماري—حتى قبل سقوط أول صاروخ.

وكيف يمكن أن تخفض القواعد الخطر؟

1) ردع الهجمات التقليدية الواسعة
وجود قوة جوية/بحرية قادرة على الرد سريعًا قد يمنع خصمًا من التفكير في مغامرة كبيرة.

2) حماية الممرات البحرية وإسناد الدفاعات
القواعد تساعد في عمليات المراقبة والإنذار المبكر وتبادل البيانات، ما يرفع قدرة اعتراض التهديدات—إذا كان هناك قرار سياسي باستخدام هذه القدرة لصالح الشركاء.

الخلاصة: القواعد ليست “خطرًا” بذاتها، لكنها تصبح خطرًا عندما تتحول إلى واجهة صراع مباشر، أو عندما يشعر الناس أن وجودها يُستخدم لخدمة حرب لا تخدم مصالحهم.


ثالثًا: حرب إيران كاختبار “للضمانة الأمريكية”.. ولماذا يشعر البعض بأن واشنطن تُسرع لإسرائيل وتتردد مع العرب؟

هناك واقع موثق: الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل كبير ومُعلن ويتضمن تسريع مساعدات وصفقات وتسليمات. على سبيل المثال، الخارجية الأمريكية تحدثت عن استخدام سلطات طوارئ لتسريع نحو 4 مليارات دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل.
كما تُظهر تحليلات ومتابعات أن تدفقات السلاح والمعدات إلى إسرائيل كانت ضخمة على مدى الفترة الأخيرة.

في المقابل، شعور “التخلي” لدى بعض الرأي العام العربي عادةً لا يأتي من انعدام أي تعاون دفاعي، بل من فجوة التوقعات:

  • دول الخليج تتوقع “حماية مؤكدة” مقابل استضافة قواعد وشراء أسلحة وتسهيلات.

  • بينما واشنطن—خصوصًا في سنوات الاستقطاب الداخلي—تتعامل أحيانًا بمنطق “الحد الأدنى الكافي” وبأولوية مصالحها المباشرة.

ولهذا تظهر كتابات وتحليلات تقول إن بعض الشركاء الإقليميين باتوا يعيدون تقييم الاعتماد على واشنطن في ظل تغير المزاج السياسي الأمريكي وارتفاع كلفة الانخراط.


رابعًا: هل “يمول العرب الحرب”؟ ما الذي يمكن إثباته وما الذي لا يمكن؟

هنا يجب التفريق بين وقائع قابلة للتوثيق وبين استنتاجات سياسية:

ما يمكن توثيقه:

  • بعض الدول، وعلى رأسها قطر، ساهمت بمبالغ كبيرة في تطوير قاعدة العديد منذ سنوات طويلة؛ وزارة الخارجية الأمريكية تشير إلى مساهمات قطرية تتجاوز 8 مليارات دولار لتطوير القاعدة.
    هذا يُثبت أن جزءًا من كلفة البنية التحتية والتطوير تتحمله دول مضيفة في حالات بعينها.

ما لا يمكن الجزم به دون دليل:

  • تعبير “تريليونات تموّل حرب إيران” بصيغته المباشرة غير مثبت كمعلومة مالية دقيقة في المصادر الرسمية العامة. قد توجد صفقات واستثمارات وتعهدات اقتصادية ضخمة تُعلن سياسيًا (مثل إعلان البيت الأبيض عن “التزام اقتصادي” كبير مع قطر)، لكن هذا لا يعني أنها “تمويل حرب” بالمعنى المباشر.

بمعنى أدق: نعم، هناك تدفقات أموال وصفقات سلاح واستثمارات وتكاليف استضافة. لكن تحويل ذلك إلى معادلة “هذه التريليونات تموّل الحرب” يحتاج وثائق ميزانيات/اتفاقات تؤكد التحويل من الاقتصاد إلى تمويل عمليات عسكرية بعينها—وهذا غير متاح كحقيقة جاهزة في العلن.

خامسًا: الاقتصاد الأمريكي.. هل يسمح بحرب طويلة؟ ولماذا قد يدفع ذلك واشنطن لتوزيع الأعباء أو تقليل الالتزامات؟

الاقتصاد الأمريكي يواجه ضغوط دين وعجز وتكاليف فوائد متصاعدة بحسب تقييمات دولية وتقارير مالية. صندوق النقد الدولي، مثلًا، ناقش مسار العجز والدين الأمريكي وتوقع ارتفاع الدين العام على المدى المتوسط.
كما تناولت تقارير حديثة تقديرات لزيادة العجز/الدين ضمن مسارات سياسات داخلية مختلفة.

في هذا السياق، يصبح “الانخراط العسكري المكلف” سياسيًا أكثر حساسية، ما يدفع واشنطن عادةً إلى أحد ثلاثة مسارات:

  1. تحميل الحلفاء جزءًا أكبر من التكلفة (مالًا وتسليحًا واستضافة).

  2. تقليص الالتزامات المباشرة والاكتفاء بردع محدود أو ضربات انتقائية.

  3. إعادة تموضع نحو أولويات استراتيجية أخرى (المنافسة الكبرى عالميًا)، مع إبقاء وجودٍ “أقل عددًا وأكثر تقنية”.


سادسًا: هل تدفع حرب إيران دول الخليج للتخلي عن القواعد؟

“التخلي الكامل” سيناريو صعب وسريع، لكنه ليس مستحيلًا على المدى الطويل. والأقرب واقعيًا هو إعادة ضبط لا “قطع”.

سيناريوهات محتملة بعد حرب إيران:

1) تقليص وتموضع ذكي بدل القواعد الكبرى
تحويل الوجود من قواعد ضخمة ظاهرة إلى تموضع أصغر، دفاعات جوية/بحرية، تعاون استخباراتي، وتسهيلات عند الحاجة.

2) تنويع الشراكات الأمنية
زيادة الاعتماد على منظومات دفاع متنوعة، وصفقات متعددة الموردين، واتفاقات إقليمية لخفض الاعتماد الأحادي—وهو توجه تُلمّح له بعض التحليلات حول “إعادة التقييم”.

3) اشتراطات جديدة على الوجود الأمريكي
مثل ربط استخدام القواعد بسقوف سياسية، أو بآليات تشاور ملزمة، أو بضمانات مكتوبة لتفادي جر الدول إلى حرب لا تريدها.

ما الذي يمنع التخلي؟

  • واقع التهديدات الإقليمية وسرعة تغيرها.

  • الاعتماد التشغيلي على التدريب والصيانة والتسليح الأمريكي في كثير من الجيوش.

  • أن بدائل “الضامن الأمني” ليست مجانية ولا بسيطة.


 موقف تحليلي

  • نعم: القواعد الأمريكية يمكن أن تصبح خطرًا على الشعوب عندما تتحول إلى “مفاتيح حرب” تُستهدف أو تُستخدم لإدارة صراع كبير، لأن ذلك يفتح الباب أمام استهداف متبادل واضطرابات اقتصادية وأمنية.

  • لكن: القواعد أيضًا قد تكون عامل ردع إذا كانت ضمن منظومة دفاع متوازنة وقرار سياسي يضع أمن السكان فوق “حروب الآخرين”.

  • حرب إيران—إن طال أمدها—قد لا تؤدي إلى “التخلي” الكامل بقدر ما قد تدفع إلى عصر جديد من الشروط والبدائل وتقليل البصمة العسكرية، خاصةً مع ضغوط الاقتصاد الأمريكي وتغيّر أولويات واشنطن.

  • أما فكرة أن “العرب موّلوا الحرب بتريليونات” فهي كطرح سياسي مفهوم، لكن الجزء القابل للتوثيق علنًا هو: مساهمات ضخمة لبعض الدول في البنية التحتية للقواعد، وصفقات واستثمارات كبيرة—لا “تمويل مباشر لحرب بعينها” كحقيقة مالية ثابتة.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.