الأربعاء، ٦ مايو ٢٠٢٦ في ٠٣:٤٧ م

هل تتحول إسرائيل من حليف أمني إلى خطر على الخليج؟..القصف الغامض وسؤال “من المستفيد؟”

إيران تنفي قصف الإمارات.. والسؤال الأخطر: من صاحب المصلحة؟

 نفت إيران بشدة تنفيذ أي هجمات صاروخية أو بالطائرات المسيرة ضد دولة الإمارات خلال الأيام الماضية، مؤكدة عبر متحدث عسكري أن القوات الإيرانية لم تنفذ عمليات ضد الإمارات، وأنها لو قامت بذلك لأعلنت الأمر بوضوح. وفي المقابل، أعلنت الإمارات أن دفاعاتها الجوية تعاملت مع هجمات قالت إنها قادمة من إيران، بينها صواريخ وطائرات مسيرة، ما فتح الباب أمام سؤال سياسي وأمني بالغ الخطورة: إذا كانت طهران تنفي بكل شدة، فمن صاحب المصلحة في هذا القصف؟

هذا السؤال لا يعني تبني رواية بعينها أو اتهام طرف دون دليل، لكنه يفرض نفسه بقوة في منطقة تحولت فيها الحروب إلى ساحات رمادية، حيث تختلط الضربات المباشرة بالحرب النفسية، وتتشابك المصالح بين الردع، والابتزاز الأمني، وتثبيت النفوذ، وإعادة رسم خرائط التحالفات.

روايتان متضادتان.. وتصعيد يربك الخليج

الرواية الإماراتية تقول إن الدولة تعرضت لهجمات صاروخية ومسيرات، بينما الرواية الإيرانية تنفي تنفيذ أي عمليات ضد الإمارات وتلوّح برد “ساحق” إذا استُخدمت الأراضي الإماراتية ضد مصالحها. هذا التناقض الحاد يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، لأن كل طرف يحاول تثبيت روايته أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي النظر إلى “من أطلق الصاروخ؟” فقط، بل يجب النظر أيضًا إلى “من يستفيد سياسيًا من سقوط الصاروخ؟”، ومن يريد دفع دول الخليج إلى الارتماء أكثر في أحضان منظومات الحماية الأجنبية والإسرائيلية، ومن يملك مصلحة في تصوير المنطقة وكأنها عاجزة عن حماية نفسها إلا عبر مظلة إسرائيلية أو أمريكية دائمة.

هل يمكن أن تقصف إسرائيل دولة تقول إنها تحميها؟

السؤال صادم، لكنه مشروع تحليليًا: هل يمكن أن تُستخدم ضربة محدودة أو حادث أمني غامض لتأكيد ضرورة وجود الحليف العسكري؟
الإجابة المسؤولة هي: لا يوجد دليل موثق يثبت أن إسرائيل قصفت الإمارات أو رتبت هجمات ضدها. لكن من حق التحليل السياسي أن يسأل عن المستفيد من تحويل الإمارات إلى ساحة اختبار لمنظومات الدفاع الإسرائيلية، ومن تضخيم الحاجة إلى الوجود الأمني الإسرائيلي في الخليج.

فقد كشفت تقارير غربية وإسرائيلية أن إسرائيل أرسلت منظومات دفاعية، بينها القبة الحديدية، وقوات لتشغيلها في الإمارات خلال الحرب مع إيران، في خطوة وُصفت بأنها تعميق غير مسبوق للتعاون العسكري بين أبوظبي وتل أبيب. كما تحدثت تقارير عن نشر قدرات دفاعية إسرائيلية إضافية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة.

وهنا يصبح السؤال الأهم: عندما تتحول الحماية إلى وجود عسكري مباشر، هل تبقى العلاقة مجرد تعاون دفاعي، أم تصبح بوابة لتكريس تبعية أمنية طويلة المدى؟

“الحماية” كأداة نفوذ.. الخطر الأكبر على الخليج

في السياسة الدولية، الحماية لا تكون دائمًا مجانية. فالدولة التي تمنحك مظلة دفاعية قد تملك لاحقًا قدرة على التأثير في قرارك السيادي، وفرض أولوياتها الأمنية عليك، وربط أمنك القومي بمعاركها هي لا بمعاركك أنت.

وهذا هو جوهر المخاوف الخليجية: أن تتحول إسرائيل من شريك أمني مؤقت إلى لاعب قادر على إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الخليج بما يخدم أولًا مصالحها هي، لا مصالح شعوب ودول المنطقة. فإذا أصبحت الصواريخ والمسيرات سببًا لتوسيع الوجود الإسرائيلي، فإن الخطر لا يكمن فقط في الهجوم نفسه، بل في النتائج السياسية التي تترتب عليه.

من المستفيد من ضرب الإمارات؟

يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية، دون الجزم بأي منها:

السيناريو الأول: إيران تريد معاقبة الإمارات

وفق هذا الاحتمال، قد ترى طهران أن الإمارات تحولت إلى منصة دعم أمريكي أو إسرائيلي ضدها، فتوجه رسائل عسكرية محدودة للردع. وهذا ما تستند إليه بعض الروايات التي تتحدث عن ارتباط الهجمات باستخدام الأراضي الإماراتية في الترتيبات العسكرية ضد إيران. لكن هذا السيناريو يصطدم بالنفي الإيراني القاطع، وبحسابات طهران التي قد لا ترغب في فتح جبهة مباشرة مع دولة خليجية مهمة في توقيت حساس.

السيناريو الثاني: طرف ثالث يريد جر الخليج إلى مواجهة أوسع

هذا السيناريو يقوم على فكرة أن هناك أطرافًا قد تستفيد من توسيع الصراع، سواء لتعطيل أي تهدئة محتملة، أو لإجبار دول الخليج على التموضع بوضوح في محور عسكري ضد إيران. في هذه الحالة، تصبح الإمارات ساحة ضغط لا طرفًا أصيلًا في القرار.

السيناريو الثالث: إسرائيل تستفيد سياسيًا من الخوف الخليجي

هذا لا يعني اتهام إسرائيل بتنفيذ الضربة، لكنه يعني أن إسرائيل قد تكون من أكبر المستفيدين سياسيًا وأمنيًا من استمرار التوتر، لأن كل هجوم أو تهديد جديد يثبت روايتها بأنها “الحليف الضروري” في مواجهة إيران. ومع كل موجة خوف، تزيد فرص بيع المنظومات الدفاعية، وتوسيع التنسيق الاستخباراتي، وتطبيع الوجود الأمني الإسرائيلي في الخليج.

هل تصبح إسرائيل خطرًا على دول الخليج؟

الخطر هنا ليس فقط في احتمال تورط مباشر في عمليات غامضة، فهذا يحتاج إلى أدلة لا تتوافر علنًا حتى الآن. الخطر الأكبر هو أن تصبح إسرائيل طرفًا قادرًا على جر الخليج إلى معادلات أمنية لا يتحكم فيها الخليجيون بالكامل.

فإذا ارتبط أمن الخليج بالمواجهة الإسرائيلية الإيرانية، ستجد دول الخليج نفسها أمام معادلة خطيرة: أي ضربة بين إسرائيل وإيران قد ترتد على أراضيها، وأي منشأة عسكرية أو دفاعية إسرائيلية داخل الخليج قد تتحول إلى هدف محتمل، وأي تصعيد إسرائيلي قد تكون كلفته على المدن والموانئ والأسواق الخليجية.

وهنا لا تصبح إسرائيل “حماية خالصة”، بل قد تتحول إلى عامل جذب للمخاطر، لأن وجودها العسكري والأمني قد يمنح إيران أو وكلاءها مبررًا لتوسيع دائرة الاستهداف.

الإمارات بين الأمن والسيادة

الإمارات دولة تملك حساباتها السيادية، ومن حقها البحث عن منظومات دفاعية وشراكات أمنية لحماية أراضيها ومنشآتها وسكانها. لكن السؤال السياسي الأعمق هو: ما الثمن الاستراتيجي لهذا النوع من الحماية؟

إذا كان ثمن الحماية هو تحويل الخليج إلى امتداد لساحة الصراع الإسرائيلي الإيراني، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة أكثر خطورة من مجرد الدفاع عن الأجواء. فالخليج يحتاج إلى أمن جماعي متوازن، لا إلى حماية تجعل أراضيه جزءًا من صراع الآخرين.

 القصف الغامض يكشف أزمة الثقة لا أزمة صواريخ فقط

نفي إيران الشديد لقصف الإمارات لا ينهي الجدل، لكنه يفتح بابًا أكبر للشكوك والتحليل. فالمسألة لم تعد فقط: هل أطلقت إيران الصواريخ؟ بل أصبحت: من يريد أن يظهر الخليج كمنطقة مهددة دائمًا؟ ومن يستفيد من زيادة الاعتماد على إسرائيل؟ وهل تتحول الحماية الإسرائيلية إلى خطر استراتيجي يربط أمن الخليج بحروب تل أبيب؟

لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن إسرائيل قصفت الإمارات أو رتبت هجومًا عليها، لكن المؤكد أن إسرائيل تستفيد سياسيًا من أي تصعيد يثبت حاجة الخليج إلى منظوماتها وخبراتها الأمنية. وهنا تكمن المفارقة: قد لا تكون إسرائيل هي من يطلق الصاروخ، لكنها قد تكون من يحصد أكبر مكاسب سقوطه.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.