الإعلام العبري يسأل الذكاء الاصطناعي عن موعد ضربة أمريكية لإيران.. لماذا تُضلّل “التواريخ” الرأي العام وما الذي يحسم القرار فعلًا؟
مع تصاعد التوتر في المنطقة، يتردد سؤال واحد باستمرار: متى ستضرب الولايات المتحدة إيران؟. السؤال لم يعد حكرًا على المحللين والسياسيين، بل انتقل إلى ساحة مختلفة: منصات الذكاء الاصطناعي. وفي تجربة لافتة، نقلت تقارير إعلامية عبرية أنها وجهت سؤالًا مباشرًا إلى 4 نماذج شهيرة: “أعطني اليوم المحدد الذي ستهاجم فيه الولايات المتحدة إيران”.
على السطح، تبدو النتيجة مثيرة: نماذج تتحدث عن “أيام” محددة في مارس 2026. لكن في العمق، تكشف القصة شيئًا أخطر من سؤال “متى؟”: كيف يمكن للأدوات الذكية أن تنتج يقينًا زائفًا في ملف هو الأكثر حساسية في الشرق الأوسط.
وفي الخلفية، لا تدور التجربة داخل فراغ: البيت الأبيض يؤكد أن الدبلوماسية ما تزال الخيار الأول، لكنه يعلن الاستعداد لاستخدام القوة عند الضرورة. كما تأتي هذه الضبابية قبل محادثات جنيف التي وُصفت بأنها محطة فاصلة، وسط حشد عسكري أمريكي لافت قرب إيران.

ماذا قالت نماذج الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يجب الحذر من “اليوم المحدد”؟
وفق ما نُشر، تباينت إجابات النماذج الأربع:
-
Claude بدأ بالرفض ثم انتقل لسيناريوهات واحتمالات، قبل أن يُساق إلى ذكر تاريخين محتملين.
-
Gemini تحدث عن “نافذة زمنية” مرتبطة بمحفزات دبلوماسية ونهاية مهلة، ثم صار أكثر تحديدًا.
-
Grok قدّم تاريخًا مبكرًا وكرره مع التحفظات.
-
ChatGPT ذكر تاريخًا ثم عدله إلى تاريخ آخر ضمن نافذة تمتد لأيام قليلة.
لكن النقطة الأهم: هذه التواريخ ليست “معلومة” ولا “تسريبًا”، بل تخمينات لغوية مبنية على قرائن عامة (مهل سياسية، مواعيد محادثات، تحركات بحرية…)، ثم تُحوَّل في سياق الإعلام إلى “أيام محددة” توحي بأن القرار محسوم.
لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي معرفة موعد الضربة؟
لأن قرار الحرب لا يُحسم بمنطق “الحسابات النصية”، بل عبر طبقات متداخلة، بعضها غير علني بطبيعته:
-
نتائج الدبلوماسية ومفاوضات جنيف
البيت الأبيض أكد أن المسار الدبلوماسي ما يزال خيارًا أولًا، مع تهديد باستخدام القوة إذا لزم. كما أن إيران تتحدث عن إمكانية اتفاق “إذا قُدمت الدبلوماسية”. -
الجاهزية العسكرية والتكلفة السياسية
وجود حشد عسكري قرب إيران يرفع “القدرة” لكنه لا يعني “قرارًا” نهائيًا، خصوصًا مع احتمالات الرد والتوسع الإقليمي. -
الإشارات الاستخباراتية التي لا تظهر للعامة
وهذه هي منطقة “السر” التي لا يمكن لنموذج عام أن يملأها إلا بالتخمين. -
عنصر المفاجأة
حتى إذا كانت الضربة قيد الدراسة، فإن إعلان “يوم محدد” يضر بعنصر المفاجأة نفسه، وهو ما يجعل “التاريخ الدقيق” الأقل احتمالًا لأن يكون قابلاً للاستنتاج علنًا.
ما الذي يحسم القرار فعليًا خلال الأيام المقبلة؟
بدلًا من سؤال “اليوم المحدد”، التحليل الأكثر احترافًا يراقب مؤشرات حاسمة:
-
لغة البيانات الرسمية الأمريكية: هل تتغير من “الدبلوماسية أولًا” إلى “نفاد الوقت”؟
-
مخرجات محادثات جنيف: هل يحدث تقدم ملموس أم إعلان فشل؟
-
طبيعة الانتشار العسكري: انتشار دفاعي لحماية قواعد/سفن أم انتقال نحو تموضع هجومي؟
-
الردود الإيرانية: تصعيد بالوكلاء/تهديدات مباشرة بضرب قواعد أمريكية، وهو ما ظهر في تصريحات وتحذيرات متداولة قبيل المحادثات.
هذه مؤشرات “تفسيرية”، لا تقدم تاريخًا، لكنها تقدم اتجاهًا وتُقلل مساحة التضليل.
لماذا تنتشر قصة “تنبؤات الذكاء الاصطناعي” الآن؟
لأن الجمهور يعيش لحظة قلق، والإعلام يبحث عن صيغة “مُحكمة” لتقديم الغموض على أنه معلومة. وهنا يحدث التحول الأخطر:
-
الغموض السياسي → يُترجم إلى سؤال مباشر
-
السؤال المباشر → ينتج جوابًا لغويًا
-
الجواب اللغوي → يُنشر كـ “توقع”
-
“التوقع” → يتحول في التداول إلى “موعد”
وهكذا تُصنع دوامة يقين زائف تغذي الهلع وتزيد الاستقطاب، دون أي قيمة إخبارية صلبة.
الضربة ماببن التحليل والتخمين
تجربة سؤال الذكاء الاصطناعي عن “موعد الضربة” قد تبدو جذابة، لكنها لا تمنح معلومة مؤكدة بقدر ما تكشف هشاشة الخط الفاصل بين التحليل والتخمين. الواقع أن واشنطن تعلن تفضيل الدبلوماسية مع إبقاء القوة مطروحة، وإيران تلوح بالرد، ومحادثات جنيف تقف في المنتصف كـ”نقطة اختبار”.
والسؤال الأصح ليس: “أي يوم ستقع الضربة؟”
بل: هل تنتج الدبلوماسية مخرجًا يمنع الانزلاق؟ أم يتحول الحشد العسكري إلى خيار فعلي؟


