تعجب أمريكي من “عدم استسلام إيران”.. هل اقتربت طهران فعلاً من لحظة الدولة النووية؟
تعجب علني.. ورسائل غير مباشرة
أثار تصريح الرئيس الأمريكي بشأن “عدم استسلام إيران” تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية، خاصة في توقيت حساس يشهد تباطؤًا واضحًا في مسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
التعجب الأمريكي لم يكن مجرد توصيف دبلوماسي، بل حمل في طياته دلالات استراتيجية، إذ يعكس إدراكًا بأن أدوات الضغط التقليدية — من عقوبات اقتصادية وعزل سياسي — لم تُحدث الانكسار المتوقع في الموقف الإيراني.
لكن السؤال الأهم:
هل يعود هذا “التعجب” إلى تقديرات استخباراتية جديدة تشير إلى اقتراب إيران من امتلاك قدرة نووية فعلية؟
أين تقف إيران نوويًا الآن؟
خلال الأشهر الماضية، أشارت تقارير استخباراتية غربية إلى أن إيران باتت على بُعد “أسابيع قليلة” من امتلاك مواد انشطارية تكفي لإنتاج عدة قنابل نووية، إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك.
لكن من المهم التفريق بين ثلاث مراحل:
-
امتلاك مواد مخصبة بنسبة عالية.
-
تحويلها إلى رأس نووي فعلي.
-
امتلاك وسيلة إطلاق فعالة وآمنة.
التقديرات الحالية تشير إلى أن طهران اقتربت تقنيًا من المرحلة الأولى بشكل متقدم، لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي أو دليل علني على انتقالها للمرحلة الثانية.

هل يمكن أن تكون إيران قد صنعت سلاحًا بالفعل؟
فرضية امتلاك إيران سلاحًا نوويًا “غير معلن” تظل ضمن نطاق التكهنات، لكنها ليست مستحيلة نظريًا.
إيران تعتمد على:
-
منشآت محصنة عميقة تحت الجبال.
-
بنية تحتية علمية متقدمة.
-
خبرات تراكمت خلال عقدين من تطوير البرنامج النووي.
لكن في المقابل، فإن إعلان امتلاك سلاح نووي يمثل قرارًا سياسيًا بالغ الخطورة، لأنه سيؤدي إلى:
-
فرض عقوبات غير مسبوقة.
-
احتمال ضربة عسكرية استباقية.
-
انهيار أي مسار تفاوضي قائم.
لذلك، إن كانت إيران قد اقتربت تقنيًا، فإنها قد تختار استراتيجية “الغموض النووي” بدل الإعلان الصريح.
جنيف.. تعثر محسوب أم تكتيك تفاوضي؟
الجولة الأخيرة من المحادثات في جنيف انتهت دون اتفاق نهائي، وسط تباين واضح في المطالب.
واشنطن تصر على:
-
قيود صارمة على التخصيب.
-
رقابة دولية مشددة.
-
إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
في المقابل، تتمسك طهران بـ:
-
ضمانات بعدم الانسحاب الأمريكي مجددًا من أي اتفاق.
-
رفع العقوبات أولًا.
-
الاعتراف بحقها في برنامج نووي سلمي.
تعثر جنيف لا يعني انهيار المسار، بل قد يكون جزءًا من لعبة رفع السقف قبل جولة فيينا المرتقبة.
لماذا يبدو التعجب الأمريكي لافتًا؟
التصريح الأمريكي يعكس ثلاث نقاط محتملة:
-
توقعات سابقة بأن الضغوط الاقتصادية ستدفع إيران لتنازلات أكبر.
-
إدراك بأن طهران تدير الوقت لصالحها تقنيًا.
-
خشية من أن المفاوضات لم تعد الوسيلة الوحيدة المؤثرة.
بمعنى آخر، واشنطن قد تشعر أن “نافذة الردع الدبلوماسي” تضيق تدريجيًا.
ماذا وراء تمسك إيران بموقفها؟
الموقف الإيراني يرتكز على عدة عناصر:
-
قناعة بأن الزمن يعمل لصالحها تقنيًا.
-
إدراك بأن الإدارة الأمريكية لا ترغب في حرب شاملة.
-
حسابات داخلية تتعلق بالهيبة والسيادة.
كما أن القيادة الإيرانية تدرك أن امتلاك “قدرة نووية كامنة” — دون إعلان رسمي — يمنحها أوراق قوة تفاوضية ضخمة.
هل تستغل إيران الأحداث لإعلان نفسها دولة نووية؟
إعلان إيران دولة نووية رسميًا سيشكل نقطة تحول إقليمية كبرى.
السيناريوهات المحتملة:
1. استمرار الغموض
إيران تواصل الاقتراب تقنيًا دون إعلان، مستفيدة من الردع غير المعلن.
2. إعلان تدريجي
إعلان محدود أو اختبار مفاجئ في حال انهيار المفاوضات بالكامل.
3. صفقة كبرى في فيينا
تجميد البرنامج مقابل رفع واسع للعقوبات، مع بقاء البنية التحتية النووية قائمة.
حتى الآن، يبدو السيناريو الأول هو الأقرب، حيث يمنح طهران أقصى مكاسب بأقل تكلفة.
فيينا.. محطة الحسم أم تمديد الأزمة؟
الجولة المنتظرة في فيينا قد تكون مفصلية.
إذا فشلت:
-
قد تنتقل الأزمة إلى مرحلة ضغط عسكري غير مباشر.
-
قد تُفعّل واشنطن أدوات مالية أكثر صرامة.
-
قد تتسارع خطوات إيران التقنية.
أما إذا نجحت، فسيكون ذلك عبر تسوية معقدة تحفظ ماء الوجه للطرفين.
قلق استراتيجي لدي الأمريكان
التعجب الأمريكي ليس مجرد دهشة، بل تعبير عن قلق استراتيجي.
إيران لم تستسلم، لأنها ترى أن ميزان القوة لم يعد أحاديًا كما كان قبل عقدين.
واشنطن لم تصعّد عسكريًا، لأنها تدرك كلفة المواجهة المباشرة.
المشهد الحالي أقرب إلى لعبة أعصاب عالية المستوى، حيث يتقدم البرنامج النووي بخطوات محسوبة، بينما تتحرك الدبلوماسية ببطء.
ويبقى السؤال الأخطر:
هل نحن أمام مرحلة “ردع متبادل صامت”، أم أن لحظة الإعلان الكبير قد تكون أقرب مما يُعتقد؟
الإجابة قد تتحدد في فيينا.


