الجمعة، ٦ مارس ٢٠٢٦ في ٠٩:١١ م

هل أصبحت القواعد الأمريكية في الخليج تهديدا أمنيا لا حماية؟

هل أصبحت القواعد الأمريكية في الخليج تهديدا أمنيا لا حماية؟

عاد الجدل بقوة في الخليج بعد تصريحات نائب رئيس مجلس الأمن الروسي السابق دميتري ميدفيديف، الذي قال إن دول الخليج سمحت بدخول القواعد الأمريكية إلى أراضيها على أساس أنها ستحميها، لكن هذه القواعد، بحسب تعبيره، “ليست حماية بل تهديد”. وجاءت تصريحاته في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعدما تعرضت دول خليجية لهجمات خلال الحرب الدائرة، وهو ما أعاد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر حدة: هل ما زالت القواعد الأمريكية تمثل مظلة أمنية فعلية، أم أنها تحولت إلى أهداف تجلب التهديد إلى الدول المضيفة؟

ميدفيديف يعيد فتح الملف من بوابة الخليج

تصريحات ميدفيديف لم تأت من فراغ، بل استندت إلى مناخ إقليمي يرى أن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في الخليج لم يمنع تعرض أراضي دول حليفة لواشنطن للتهديد أو الاستهداف. وبحسب ما نقلته وكالة “تاس”، قال ميدفيديف إن الولايات المتحدة تستخدم هذه القواعد “لحماية دولة واحدة فقط”، في إشارة سياسية واضحة إلى إسرائيل، داعيا دول الخليج إلى التفكير مجددا فيما إذا كانت بحاجة فعلية إلى هذه القواعد. هذا الطرح يعكس رؤية روسية، لكنه في الوقت نفسه يلامس نقاشا حقيقيا داخل المنطقة حول كلفة الاستضافة العسكرية الأمريكية ومكاسبها الفعلية.

                                                                                                               

ميدفيديف

  ما الذي حدث فعلا في قطر ولماذا عاد السؤال الآن؟

هنا يجب التفريق بين واقعتين مختلفتين. الأولى كانت الضربة الإسرائيلية داخل قطر في سبتمبر 2025، عندما شنت إسرائيل هجوما على قيادة لحماس في الدوحة، وهو ما أثار صدمة سياسية وأمنية كبيرة لأن الهجوم وقع على أرض دولة خليجية تستضيف أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة. والثانية هي الهجمات الإيرانية اللاحقة على قطر خلال التصعيد الحالي في 2026، حيث استهدفت إيران الأراضي القطرية، بينما أكدت الدوحة اعتراض معظم المقذوفات. هذا التمييز مهم، لأن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بحادثة واحدة فقط، بل بتراكم وقائع أظهرت أن وجود قاعدة أمريكية ضخمة لم يمنع أن تصبح الدولة المضيفة نفسها ساحة تهديد أو رسالة نارية متبادلة.

قاعدة العديد.. الأكبر في المنطقة لكنها ليست درعا مطلقا

بحسب رويترز، تعد قاعدة العديد في قطر أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وتضم نحو 10 آلاف جندي، كما أنها تمثل مركزا محوريا للعمليات الأمريكية في المنطقة. لكن أهمية القاعدة العسكرية لا تعني تلقائيا أنها قادرة على حماية الدولة المضيفة من كل سيناريو. فحتى قبل انفجار الحرب الحالية، كشفت رويترز أن واشنطن اتخذت إجراءات احترازية في العديد، بينها تحريك أصول عسكرية وتقليص تعرض بعض المعدات للهجمات الإيرانية المحتملة، وهو ما يعكس إدراكا أمريكيا مسبقا لهشاشة القواعد الثابتة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة.

هل فشلت القواعد الأمريكية في حماية الخليج؟

الإجابة التحليلية الأدق هي: ليس تماما، ولكنها أيضا لم توفر الحماية المطلقة التي تتخيلها بعض الدول. فعندما تتعرض دولة مضيفة لهجوم، أو تصبح القاعدة نفسها هدفا محتملا أو مباشرا، فإن وجودها يردع أحيانا، لكنه في الوقت نفسه يرفع قيمة الهدف في نظر الخصوم. هذا ما ظهر بوضوح في الحرب الحالية، حيث قالت رويترز إن الضربات والتهديدات الإيرانية طالت أو هددت مواقع أمريكية وخليجية، وأجبرت بعض الدول والمنشآت الحيوية على إجراءات إغلاق أو طوارئ، بما في ذلك أصول طاقة ومطارات وتحركات دبلوماسية. معنى ذلك أن القاعدة لم تعد فقط أداة حماية؛ بل أصبحت أيضا جزءا من معادلة الاستهداف.

                                                     قاعدة العديد في دولة قطر

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

المشكلة ليست في وجود قاعدة عسكرية من عدمه فقط، بل في طبيعة العقيدة التي تعمل بها. القواعد الأمريكية في الخليج صممت أساسا لخدمة أولويات واشنطن: حماية قواتها، تأمين خطوط الملاحة والطاقة، وإدارة عملياتها الإقليمية. أما حماية الدولة المضيفة نفسها، فهي نتيجة محتملة لهذا الوجود وليست بالضرورة الهدف الأول في كل ظرف. هذه نقطة جوهرية؛ لأن كثيرين في المنطقة افترضوا أن استضافة قاعدة أمريكية تعني تلقائيا أن أي اعتداء على أراضيهم سيقابل بردع حاسم وفوري. لكن الوقائع تظهر أن القرار الأمريكي تحكمه حسابات أوسع: تجنب التوسع، إدارة التصعيد، حماية القوات الأمريكية أولا، وعدم الانجرار إلى حرب مفتوحة إلا وفق المصلحة الأمريكية المباشرة. وهذا يفسر لماذا قد تقع هجمات أو اختراقات أو حتى ضربات سيادية بينما يظل الرد الأمريكي محدودا أو مؤجلا أو محسوبا بدقة.

لماذا يرى البعض أن هذه القواعد أصبحت خطرا أمنيا؟

لأنها، ببساطة، تحول الدول المضيفة إلى أهداف عالية القيمة في أي مواجهة بين واشنطن وخصومها. إذا قررت الولايات المتحدة أو إسرائيل توجيه ضربات من المنطقة، أو منحت دول الخليج تسهيلات لوجستية أو عملياتية، فإن الخصوم قد لا يفرقون كثيرا بين الدولة المضيفة وبين المنصة العسكرية المستخدمة. هذا المنطق ظهر بوضوح في التحذيرات الإيرانية السابقة، كما ظهر في استهدافات فعلية خلال التصعيد الراهن. ومن زاوية أخرى، فإن وجود قواعد بهذا الحجم يخلق انطباعا لدى الخصم بأن ضربها أو تهديدها يحقق مكاسب رمزية وسياسية كبرى، حتى إن كانت الأضرار العسكرية محدودة. هنا تتحول القاعدة من عامل ردع إلى مغناطيس خطر.

لكن هل غياب القواعد سيكون أفضل؟

ليس بالضرورة. فهناك رأي مقابل يقول إن الوجود الأمريكي، رغم عيوبه، ما زال يوفر مظلة ردع مهمة تمنع انزلاق بعض الخصوم إلى سيناريوهات أكثر جرأة. كما أن هذه القواعد تمثل جزءا من منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي والتنسيق الاستخباراتي التي يصعب تعويضها بسرعة. بمعنى آخر، المشكلة ليست بالضرورة في الوجود الأمريكي نفسه، بل في الاعتماد الكامل عليه. فحين تصبح عقيدة الأمن الوطني لدولة ما مبنية على فرضية أن واشنطن ستتكفل بالرد والدفاع في كل وقت، فإن أي تردد أمريكي أو تأخر في الفعل يتحول إلى فجوة استراتيجية خطيرة. لذلك فإن الجدل الحقيقي لا يجب أن يكون فقط “إزالة القواعد أو الإبقاء عليها”، بل: كيف تبني الدول المضيفة قدرة دفاع ذاتي لا تجعلها رهينة للقرار الأمريكي؟

هل حمت قاعدة العديد قطر عندما تعرضت للخطر؟

الجواب يحتاج دقة. لا توجد معطيات موثقة من رويترز تقول إن قاعدة العديد “تصدت” وحدها لكل ما استهدف قطر أو أنها التزمت الصمت التام؛ ما هو مؤكد أن قطر أعلنت اعتراض معظم المقذوفات التي استهدفتها، وأن العديد ظلت رمزا للوجود الأمريكي الأكبر في المنطقة. لكن سياسيا وإعلاميا، مجرد طرح السؤال بهذه القوة يكشف أزمة ثقة: إذا كانت أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط موجودة على أرضك، ثم تتعرض أراضيك لضربة أو تهديد كبير، فإن الرأي العام سيقرأ ذلك باعتباره إخفاقا في مفهوم الحماية، حتى لو كانت الوقائع الميدانية أكثر تعقيدا من هذا التوصيف المباشر.

قراءة أعمق.. ماذا تعني عبارة “حماية دولة واحدة فقط”؟

هذه العبارة التي استخدمها ميدفيديف سياسية بامتياز، لكنها تعكس تصورا متناميا في المنطقة مفاده أن البنية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط باتت مرتبطة بصورة أكبر بأمن إسرائيل واحتواء خصومها الإقليميين، أكثر من ارتباطها ببناء منظومة أمن خليجي متكاملة ومستقلة. قد يكون هذا التوصيف مبالغا فيه عند بعض الملفات، لكنه يكتسب قوة كلما شعرت عواصم الخليج أن أراضيها تتحمل كلفة صراعات لا تملك قرارها الكامل. وعندما تصبح القواعد جزءا من حسابات الحرب الكبرى، فإن الأولوية الأمريكية تميل إلى إدارة المعركة على مستوى الإقليم، لا إلى تطمين المزاج الشعبي في الدولة المضيفة. هنا تكمن فجوة الإدراك بين الحليف المحلي والراعي الدولي.

 هل أصبحت القواعد الأمريكية تهديدا؟

الخلاصة الموضوعية أن القواعد الأمريكية في الخليج لم تصبح “عديمة الفائدة”، لكنها بالتأكيد لم تعد تعني الحماية المضمونة كما كان يُعتقد. هي تمنح ردعا، وتوفر شراكة عسكرية واستخباراتية، لكنها في المقابل ترفع منسوب المخاطر على الدول المضيفة، وتجعلها في قلب أي رد انتقامي إقليمي. لهذا فإن كلام ميدفيديف، رغم طابعه السياسي والدعائي، يستند إلى نقطة واقعية لا يمكن تجاهلها: القاعدة الأجنبية قد تحمي، لكنها قد تستدعي الخطر أيضا. والسؤال الأهم اليوم بالنسبة لدول الخليج ليس فقط ما إذا كانت تريد هذه القواعد، بل كيف تمنع أن تتحول من ضمانة أمنية إلى عبء استراتيجي يضع أراضيها واقتصادها ومجتمعها في مرمى النيران.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.