لم يكن إعلان إدخال طائرة بوينغ 747 جديدة إلى الخدمة ضمن أسطول الرئاسة الأمريكية مجرد خبر تقني أو عسكري، بل فتح مجددًا ملفًا شائكًا يتعلق بعلاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدول الخليج، وحدود التداخل بين الهدايا السيادية، والمصالح السياسية، والرمزية الرئاسية.
فالطائرة، التي قُدمت كهدية من دولة قطر، أعادت إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من الجدل حول تقبل ترامب للهدايا الفاخرة من حلفاء واشنطن في الخليج، في سياق تتقاطع فيه السياسة بالمال، والدبلوماسية بالأمن القومي.
طائرة جديدة لأسطول رئاسي مُرهق
يستعد سلاح الجو الأمريكي لإدخال الطائرة القطرية إلى الخدمة في وقت مبكر من صيف هذا العام، بعد بدء أعمال التجديد والتحديث منذ سبتمبر الماضي، وذلك في محاولة لمعالجة أزمة متفاقمة داخل أسطول طائرات «إير فورس ون» الحالي.
فالطائرات الرئاسية المستخدمة حاليًا تخدم البيت الأبيض منذ أكثر من 35 عامًا، وتعاني من أعطال متكررة ومشكلات صيانة، كان آخرها عطل كهربائي مفاجئ أجبر الرئيس ترامب هذا الأسبوع على العودة إلى واشنطن، ثم استخدام طائرة أصغر في طريقه إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
تكلفة باهظة ومعايير أمنية معقدة
بحسب تقديرات خبراء الصناعة ومسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، فإن تكييف طائرة مدنية لتلائم المتطلبات الأمنية الصارمة للرئيس الأمريكي قد يستغرق ما يصل إلى عامين، وبكلفة قد تبلغ مليار دولار، نظرًا لتعقيد أنظمة الاتصالات المشفرة، والحماية من الصواريخ، ومنع الاختراق الإلكتروني والتنصت.
غير أن وزير القوات الجوية تروي ماينك قدّم أمام الكونغرس تقديرًا أقل، مؤكدًا أن تكلفة التعديلات لن تتجاوز 400 مليون دولار.
ورغم الانتهاء المتوقع من التصميم الداخلي الفاخر وطلاء الطائرة وفق ذوق ترامب بحلول الصيف، إلا أن مصادر مطلعة كشفت أن بعض أنظمة الأمن المتقدمة قد لا تكون جاهزة بالكامل عند بدء التشغيل، وهو ما يثير تساؤلات داخل الأوساط الأمنية.

ترامب يريد الطائرة «جاهزة الآن»
مصادر قريبة من المشروع تشير إلى أن الرئيس ترامب متحمس بشدة لبدء استخدام الطائرة، حتى لو لم تُستكمل جميع الأنظمة المعقدة في الموعد المحدد.
هذا التسرع يعكس، بحسب مراقبين، نمطًا متكررًا في أسلوب ترامب، الذي يضع الاعتبارات الرمزية والشخصية في مقدمة أولوياته، حتى عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة مثل الأمن الرئاسي.
هدية قطر.. جدل أخلاقي وأمني
قُدّرت قيمة الطائرة القطرية بنحو 200 مليون دولار، وهو ما فجّر موجة من الجدل داخل الولايات المتحدة، خصوصًا حول:
-
احتمال زرع أجهزة تنصت
-
مخاطر التأثير الأجنبي
-
حدود قبول الهدايا من دول ذات مصالح استراتيجية
إلا أن ترامب رفض هذه الانتقادات بشدة، واصفًا الطائرة بأنها «لفتة كريمة»، ومضيفًا في تصريح أثار جدلًا واسعًا أن “الأحمق فقط هو من يرفض مثل هذه الهدية”.
خلفية أوسع: ترامب ودول الخليج
لا يمكن فصل هذه الواقعة عن السياق الأوسع لعلاقة ترامب بدول الخليج، والتي اتسمت منذ ولايته الأولى بـ:
-
الإشادة المتكررة بالقيادات الخليجية
-
استقبال فخم واستثنائي خلال زياراته الرسمية
-
صفقات تسليح واستثمارات بمليارات الدولارات
-
قبول مظاهر الدعم الرمزي والاقتصادي بوصفها «تقديرًا شخصيًا»
ويرى محللون أن الطائرة القطرية تمثل أعلى أشكال هذا التداخل بين السياسة والهدايا، لأنها تمس رمز السيادة الأمريكية نفسه: الطائرة الرئاسية.
مصير الطائرة بعد 2029
أوضح ترامب أن الطائرة ستُنقل إلى مكتبته الرئاسية المستقبلية بعد انتهاء ولايته الثانية المتوقعة في عام 2029، في خطوة تعكس الطابع الشخصي للعلاقة مع الطائرة، وتطرح تساؤلات قانونية حول ملكيتها واستخدامها بعد مغادرته المنصب.
وتنضم الطائرة القطرية إلى طائرتين أخريين من طراز بوينغ 747-8 كانت الإدارة الأمريكية قد طلبتهما سابقًا، لكن من غير المتوقع أن تكونا جاهزتين قبل نهاية الولاية الثانية، ما يجعل الطائرة القطرية حلًا مؤقتًا ذا دلالة سياسية كبيرة.
كيف يمكن للهدايا الفاخرة أن تتحول إلى أداة نفوذ ناعمة ؟
بين الحاجة الفعلية لتحديث أسطول إير فورس ون، والجدل الأخلاقي حول قبول الهدايا السيادية، تكشف طائرة بوينغ 747 القطرية عن منطقة رمادية في علاقة ترامب بدول الخليج.
فهي ليست مجرد وسيلة نقل رئاسية، بل رمز سياسي يعكس كيف يمكن للهدايا الفاخرة أن تتحول إلى أداة نفوذ ناعمة، في عالم لم تعد فيه الحدود بين الدبلوماسية والاقتصاد والأمن واضحة كما كانت من قبل.


