في وقتٍ لم يعد فيه التجميل مجرد رفاهية شكلية أو سباقًا خلف ملامح مصطنعة، بل تحول إلى علم طبي دقيق يتقاطع مع الصحة والوظيفة وجودة الحياة، يشهد الطب التجميلي تحولات جذرية تقودها التكنولوجيا المتقدمة والوعي الطبي الحديث.
من الذكاء الاصطناعي داخل غرف العمليات، إلى مفاهيم جديدة في تجديد شباب الوجه، وصولًا إلى إعادة الاعتبار لمرض البيديميا كحالة مرضية لا علاقة لها بالسمنة أو الكسل، تتغير قواعد اللعبة بالكامل.
في هذا الحوار الخاص، يفتح د. محمد الهيتمي، استشاري جراحة التجميل ونحت القوام، والحاصل على الزمالة البريطانية من مستشفى ويستن ليفربول، ملف «التجميل القائم على الدقة»، كاشفًا كيف أصبح الهدف اليوم هو استعادة التوازن والوظيفة قبل الشكل، ولماذا لم تعد كل التقنيات مناسبة لكل الحالات.
الذكاء الاصطناعي في جراحات التجميل: دقة بلا إلغاء للخبرة
يرى د. محمد الهيتمي أن الذكاء الاصطناعي أحدث نقلة نوعية حقيقية في مفهوم التوقعات داخل جراحات التجميل، موضحًا أن استخدام برامج المحاكاة ثلاثية الأبعاد المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل Crisalix، أتاح للمريض رؤية نتيجة تقريبية قبل الجراحة، ما ساهم في تقليص الفجوة بين التوقعات والنتائج الفعلية.
ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يُعد بديلًا للجراح، بل هو «مساعد ذكي»:
-
يحلل تناسق الوجه
-
يقيس النسب الجمالية بدقة
-
يساعد في التخطيط الجراحي
بينما تظل اللمسة الفنية والخبرة السريرية وتقدير مرونة الأنسجة الحية عناصر لا يمكن استبدالها بأي خوارزمية.
كما أسهمت هذه التقنيات في تقليل نسب إعادة العمليات، خاصة في نحت الجسم، حيث تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على حساب كميات الدهون المستخرجة وتوزيعها بدقة، ما يقلل احتمالات عدم التماثل أو تعرجات الجلد.

نهاية عصر الوجه المنفوخ: تجديد شباب الوجه بإعادة البناء لا الشد
يعلن د. الهيتمي بوضوح أن عصر الوجه المنفوخ والمشدود بشكل مصطنع قد انتهى، مشيرًا إلى أن أحدث ما توصل إليه العلم في تجديد شباب الوجه يتمثل في تقنية Deep Plane Facelift أو شد الوجه العميق.
ويشرح أن المفهوم لم يعد قائمًا على شد الجلد فقط، لما يسببه من مظهر متصلب وغير طبيعي، بل يعتمد على:
-
إعادة العضلات العميقة
-
تصحيح مواضع الأنسجة
-
استعادة البنية التشريحية الطبيعية
وهو ما يمنح نتائج طبيعية تدوم لسنوات دون تشويه الملامح.
التقنيات غير الجراحية: متى تنجح ومتى تفشل؟
حول التقنيات غير الجراحية، يؤكد الهيتمي أن الإندوليفت والخيوط غيّرت المفهوم من «علاج الترهل» إلى «تأخير الجراحة»:
-
الإندوليفت: ليزر داخلي يشد الجلد ويذيب دهون اللغلوغ دون جراحة.
-
الخيوط: أداة فعالة لتحفيز الكولاجين، لكنها لا تغني عن الجراحة في حالات الترهل الشديد.
ويشير إلى أن الاتجاه العالمي اليوم يتبنى مفهوم The Refined Self، أي النسخة الأفضل من الشخص نفسه، حيث يبحث المرضى عن مظهر أكثر شبابًا وراحة دون فقدان الهوية أو الملامح الأصلية.
أخطاء شائعة في التجميل: الفلاتر والفيلر الدائم
يحذر د. الهيتمي من أخطاء شائعة يقع فيها المرضى، أبرزها:
-
طلب نتائج تشبه فلاتر السوشيال ميديا
-
اعتبار الفيلر حلًا دائمًا بديلًا للجراحة
-
اختيار الإجراء بناءً على السعر لا خبرة الجراح
ويوضح أن هذه المفاهيم الخاطئة تؤدي في كثير من الأحيان إلى تضخم الوجه وتشوه الملامح بدل تحسينها.
البيديميا ليست سمنة: متى يصبح شفط الدهون علاجًا؟

يشدد د. محمد الهيتمي على أن مرض البيديميا حالة طبية بحتة، وليس مشكلة تجميلية أو زيادة وزن، موضحًا أن شفط الدهون يتحول من إجراء تجميلي إلى ضرورة علاجية عندما:
-
يسبب آلامًا مزمنة
-
يعيق الحركة
-
يؤثر على الجهاز الليمفاوي
ويؤكد أن البيديميا لا تستجيب للدايت أو الرياضة، وغالبًا ما تصاحبها كدمات وألم عند اللمس.
تقنيات خاصة لعلاج البيديميا
يوضح الهيتمي أن شفط الدهون في مرضى البيديميا يختلف جذريًا عن الشفط التجميلي التقليدي، حيث يتم استخدام تقنيات متخصصة مثل:
-
WAL
-
PAL
وهي تقنيات تحافظ على الأوعية الليمفاوية وتستهدف الدهون المرضية فقط، محذرًا من أن إجراء شفط عادي لمريضة بيديميا على يد جراح غير متخصص قد يؤدي إلى تدمير الجهاز الليمفاوي وتحويل الحالة إلى وذمة ليمفاوية شديدة التعقيد.
رسالة للسيدات: التشخيص المبكر ينقذ حياتك
يوجه د. الهيتمي رسالة مباشرة للسيدات قائلًا:
«إذا كانت ساقاكِ لا تنحفان مهما حاولتِ، وتشعرين بالألم عند اللمس، فربما لا تعانين من سمنة بل من بيديميا. التشخيص المبكر هو مفتاح استعادة جودة الحياة».
ويؤكد أن العلاج الناجح للبيديميا يعتمد على بروتوكول متكامل يشمل:
-
الشفط المتخصص
-
التصريف الليمفاوي اليدوي
-
المشدات الطبية
-
نظام غذائي مضاد للالتهاب
رؤية مستقبلية: الطب التجديدي بدل إخفاء الشيخوخة
يختتم د. محمد الهيتمي حديثه بالتأكيد على أن مستقبل جراحات التجميل يتجه بقوة نحو الطب التجديدي، المعتمد على:
-
الدهون الذاتية
-
الخلايا الجذعية
-
تدخلات أقل توغلًا
مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستركز على إصلاح الشيخوخة من الداخل بدلًا من إخفائها من الخارج، مع فترات تعافٍ أسرع ونتائج أكثر انسجامًا مع الطبيعة البشرية.


