في كل لحظة سياسية كبرى تختلط المواقف وتعلو الاصوات لكن قبل السياسة وقبل التحليل يبقى هناك انسان نحن حين ننظر الى ايران لا ننظر الى حكومة او نظام بل الى شعب: امهات ينتظرن ابنائهن شباب يبحثون عن فرصة عائلات تحلم بحياة اكثر استقرارا وكرامة التعاطف في جوهره يجب ان يكون مع الناس لا مع السلطة مع التجربة الانسانية لا مع الصراع السياسي
عندما يرحل قائد بحجم وتأثير علي خامنئي لا يكون الحدث سياسيا فقط بل عاطفيا ايضا بعض الايرانيين شعروا بالحزن واخرون عبروا عن ارتياح او حتى فرح لفهم هذا التباين علينا ان نقترب من مشاعر الناس لا من عناوين الاخبار
بالنسبة لفئات من المجتمع ارتبطت سنوات الحكم الطويلة بإحساس مستمر بالقيود لم تكن السياسة مجرد نقاش نظري بل تفاصيل يومية: ما يقال وما لا يقال ما يكتب وما يحذف وحتى ما يراقب على الانترنت ويحظر في زمن الهيمنة الصارمة للسلطة الدينية شهد الشعب انتهاكات رقمية وسيبرانية تحد من حرية التعبير وتلاحق من يعبر عن رأيه على مواقع التواصل وقد تصل احيانا الى التضييق على اسر كاملة هذه الممارسات تزيد الشعور بالعجز والقهر وتجعل الحياة اليومية ممتلئة بالخوف وعدم اليقين حين يشعر الانسان ان خياراته محدودة وان صوته لا يصل يتكون داخله احساس ثقيل بالعجز هذا العجز يتحول الى صمت طويل وعندما تنتهي مرحلة سياسية قد يشعر البعض وكأنهم تنفسوا لأول مرة منذ سنوات
الاحداث الكبرى تقاس غالبا بالارقام لكن الالم لا يقاس كذلك بعد احتجاجات اندلعت عام 2022 اثر وفاة مهسا اميني عاشت اسر كثيرة تجارب صعبة: فقدان خوف انقسام قلق دائم السلطة الدينية الفاشية بما في ذلك الرقابة الصارمة على المعلومات والادوات الرقمية زادت من شعور المواطنين بالاختناق وأدت الى شعور عام بان الحرية باتت محدودة للغاية بالنسبة لهؤلاء لم تكن وفاة الرئيس مجرد خبر عاجل بل لحظة محملة بذكريات شخصية وشعور بان مرحلة ارتبطت بالقمع والانتهاكات قد طويت ولو مؤقتا
الانسان حين يطول انتظاره يتعلق بأي تغيير في ظل تحديات اقتصادية وضغوط دولية وانتهاكات متكررة لحقوقه الرقمية والاجتماعية رأى البعض في الحدث احتمال لبداية جديدة: اصلاحات محتملة مساحة اوسع للتعبير فرص اكثر امانا على الانترنت وفي الحياة اليومية قد لا يكون المستقبل واضحا لكن مجرد احتمال التغيير يمنح شعورا مؤقتا بالخفة والفرحة احيانا لا تكون الا تعبيرا عن هذا الامل
الغضب عندما لا يجد طريقا للتعبير لا يختفي يبقى في الداخل يتراكم بصمت ويخرج عند كل حدث مفصلي من المهم التمييز بين الشماتة وبين التنفيس النفسي كثيرون لم يحتفلوا بالموت ذاته بل بانتهاء مرحلة من القمع والانتهاكات
ايران ليست كتلة واحدة هناك من يرى في القيادة السابقة ضمان للاستقرار في منطقة مضطربة وهناك من يعتبرها سبب في التضييق والعزلة وأثرها على الحريات الرقمية والاجتماعية ملموس في حياة الناس اليومية وبين هذين الموقفين تقف اغلبية تشعر بالحزن والقلق في الوقت ذاته الفرح لم يكن شعوراً عاما كما ان الحزن لم يكن شاملا المشهد يعكس انقساما اعمق في التجارب والرؤى
ربما تكشف هذه اللحظة ان الجراح لم تغلق بعد وربما تكشف ان الشعوب حين تطول بها سنوات الانتظار تتعلق بأي اشارة تغيير لا احد يحتفل بالموت لذاته لكن ما بدا فرحا عند البعض قد يكون تنفسا بعد سنوات من القهر والقمع الرقمي والاجتماعي او دمعة قديمة خرجت في شكل مختلف
ايران اليوم ليست مجرد عنوان سياسي بل حكايات بشرية متشابكة شباب يحلمون بحرية اكثر امهات يتمنين مستقبلا اكثر امانا لاطفالهن اسر تبحث عن كرامة واستقرار بين القهر الذي شعر به البعض والامل الذي يتمسك به اخرون تقف البلاد عند لحظة انسانية فارقة
ربما لا تكشف هذه اللحظة عن موقف من شخص بقدر ما تكشف عن حاجة عميقة للتغيير وعن تعب تراكم بصمت سنوات فالشعوب لا تفرح برحيل انسان لكنها احيانا تفرح باحساس النهاية حين تعتقد ان النهاية قد تكون بداية
وفي كل الاحوال يبقى التعاطف مع الناس مع احلامهم الصغيرة مع خوفهم المشروع ومع حقهم في مستقبل اقل الما فالتاريخ يكتب اسماء القادة لكن الحياة الحقيقية تكتب في قلوب الشعوب
الثلاثاء، ٣ مارس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٣ ص
نرمين نبيل تكتب : ايران بين القهر والامل: قراءة انسانية في فرحة شعب بوفاة الرئيس

الكلمات المفتاحية:

