بقلم: نرمين نبيل
إرث بريجيت باردو… لا يُقاس بالشهرة، بل بعدد الأرواح التي اختارت حمايتها
في ٢٨ ديسمبر ٢٠٢٥ غاب عن عالمنا اسم لم يكن مجرد نجمة سينمائية، بل رمز للرحمة والمثابرة، امرأة كرست حياتها بعد الاعتزال لتكون صوتًا لكل كائن عاجز عن الدفاع عن نفسه. برحيل بريجيت باردو، فقدت الحيوانات واحدة من أكثر المدافعين عنها شجاعة وثباتًا، وفقد العالم نموذجًا نادرًا لنجمة استخدمت شهرتها لإنقاذ الأرواح بدلًا من الترفيه عن الجمهور فقط.
قد يتذكر البعض باردو لأيقونتها السينمائية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لكن القيمة الحقيقية لم تكن على الشاشة، بل خارجها، حين اتخذت قرارًا صادمًا باعتزال الفن في أوج نجاحها، لتتفرغ بالكامل لمعركة أخلاقية تتعلق بالرفق بالحيوان ومناهضة القسوة البشرية.
من نجمة إلى صوتٍ لمن لا صوت لهم

لم تتعامل باردو مع قضية الحيوانات كهواية أو نشاط جانبي، بل باعتبارها مسؤولية كبرى. أسست مؤسسة تحمل اسمها، خاضت من خلالها صراعات مفتوحة مع حكومات ومؤسسات، ورفضت الصيد الجائر، والتجارب المؤذية، واستغلال الحيوانات في المعارض والترفيه. لم تكن مجرد تصريحات إعلامية، بل ضغط ميداني مستمر وتمويل فعاليات وملاجئ وحملات توعية، وواجهت الهجوم والانتقاد بشجاعة لأنها آمنت أن الصمت تواطؤ، وأن الرحمة لا تنتظر الإجماع.
ما يميز إرث باردو أنها نقلت قضية الحيوان من خانة الشعور بالشفقة إلى خانة الحقوق الأساسية. طرحت على المجتمعات الحديثة سؤالًا مزعجًا: كيف يمكن لعالم يتفاخر بالتحضر أن يقبل استمرار ممارسات قاسية ضد كائنات عاجزة عن الدفاع عن نفسها؟
شخصيتها لم تكن توافقية، لكنها كانت ثابتة، حتى عندما تعرضت لانتقادات واسعة. ملايين الحيوانات حول العالم كانت أكثر أمانًا بسبب موقفها الثابت، وبفضل استراتيجيتها التي جمعت بين الوعي الإعلامي والتحرك القانوني والجهد الميداني.
وصيّة لا تموت

برحيلها، يبرز فراغ واضح. فالحيوانات التي دافعت عنها لا تزال تواجه المخاطر نفسها، وربما أشد، في عالم تتحكم فيه المصالح الاقتصادية والقسوة البشرية. السؤال الذي تتركه بريجيت باردو ليس من سيخلفها، بل: هل يوجد من يملك الشجاعة ليحمل نفس القضية بنفس الثبات والاستعداد لدفع الثمن؟
إرثها الحقيقي لا يقاس بتاريخها الفني، بل بعدد الأرواح التي اختارت أن تحميها. برحيل بريجيت باردو، يبقى صوتها صدى لا يختفي، ورسالتها واضحة: الرحمة ليست رفاهية، بل واجب، والصمت عن القسوة خيانة لكل من لا صوت لهم.


