أمريكا وإسرائيل.. الانفصال المستحيل بين المساعدات العسكرية وشبكة الاعتماد الأمني
تتفاوض إسرائيل والولايات المتحدة على صيغة جديدة قد تنهي، أو على الأقل تعيد تشكيل، عقودا من المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة لتل أبيب، في خطوة تبدو للوهلة الأولى وكأنها انتقال نحو استقلال إسرائيلي أكبر في مجال التسليح.
لكن خلف هذا العنوان الكبير، تبدو المسألة أكثر تعقيدا بكثير من مجرد وقف منح مالية أو تغيير بنود اتفاق. فالعلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب لم تعد مجرد دعم سنوي، بل تحولت عبر عقود إلى شبكة اعتماد عميقة تشمل السلاح، والذخائر، والدفاع الصاروخي، والطائرات المقاتلة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والغطاء السياسي داخل المؤسسات الأمريكية.
حروب غزة ولبنان وإيران تكشف عمق التنسيق والخلاف
برزت الحاجة إلى إعادة النظر في شكل العلاقة العسكرية بين البلدين بعد سنوات من الحروب الإسرائيلية على غزة ولبنان وإيران، وهي حروب أظهرت مستوى كبيرا من التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن خلافات متكررة بين الحليفين.
فواشنطن دعمت إسرائيل بما تحتاجه من السلاح والذخائر، لكنها اختلفت معها في ملفات حساسة، أبرزها توقيت إنهاء الحروب، وطبيعة التسويات السياسية، وحدود التصعيد العسكري.
خلافات حول نهاية الحروب لا حول أصل التحالف
ظهر هذا التباين بوضوح في غزة، حيث فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته السياسية والأمنية، وفي لبنان حيث جرى التوصل إلى اتفاق لم تكن إسرائيل راضية عنه بالكامل، وفق تقارير إسرائيلية.
هذه الوقائع تؤكد أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ليست علاقة تطابق كامل في المواقف، لكنها في الوقت نفسه ليست علاقة يمكن تفكيكها بسهولة، لأن كل طرف يحتاج الآخر بدرجة مختلفة.
نتنياهو يتحدث عن استقلال تسليحي
في سياق غير معتاد، ومع تنامي الرفض الإسرائيلي للاتفاق مع إيران، نشر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تصريحات أدلى بها بنيامين نتنياهو خلال لقاء مع مجموعة من ضباط الاحتياط في كيبوتس "ميغدال عوز" بمنطقة "غوش عتصيون".
وقال نتنياهو إن إسرائيل تقف في مواجهة إيران ووكلائها، وإنها وجهت لهم ضربات، لكنه أكد أن الأمر لم ينته بعد، مشيرا إلى أن مستقبل إسرائيل خلال العقود المقبلة يعتمد على بناء قوة هائلة.
"علينا تصنيع أسلحتنا بأنفسنا"
أوضح نتنياهو أنه يسعى لتحقيق استقلال في مجال التسليح، مؤكدا تقديره للدعم الأمريكي الذي حصلت عليه إسرائيل على مدار سنوات، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة امتلاك إسرائيل شبكة تسليح مستقلة.
وقال إن إسرائيل بحاجة إلى التحرر من التبعية، وبناء مزيد من القوة، ودمج مزيد من التكنولوجيا، وتدريب أجيال جديدة من القادة، معتبرا أن ذلك هو ما سيحدد مستقبل الدولة وموقعها في العقود المقبلة.

مفاوضات حول مذكرة تفاهم جديدة
أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها تتفاوض مع إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن مذكرة تفاهم جديدة تتعلق بالمساعدات الخارجية الأمريكية لإسرائيل.
وفي حال التوصل إلى هذه المذكرة، ستكون رابع مذكرة تفاهم ثنائية من نوعها بين البلدين، بعد ثلاث مذكرات أسست على مدار عقود لمسار ثابت من الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
مذكرات التفاهم ليست معاهدات ملزمة
بحسب تقرير حديث للكونغرس الأمريكي، فإن مذكرات التفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست اتفاقيات ملزمة قانونا مثل المعاهدات، ولا تتطلب تصديق مجلس الشيوخ.
لكن رغم ذلك، فإنها تؤثر فعليا في مستويات المساعدات، لأن الكونغرس غالبا ما يخصص المساعدات الخارجية لإسرائيل بما يتماشى إلى حد كبير مع بنود مذكرة التفاهم السارية، مع بقاء سلطة الاعتماد المالي النهائية في يد الكونغرس.
تاريخ المساعدات الأمريكية لإسرائيل
تمتد مذكرات التفاهم العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى نهاية التسعينيات، وشكلت أساسا مهما للعلاقة الدفاعية بين البلدين.
مذكرة التفاهم الأولى
المذكرة الأولى امتدت من السنة المالية 1999 إلى 2008، وتم الاتفاق عليها في عهد إدارة بيل كلينتون.
وتضمنت التزاما سياسيا بتقديم ما لا يقل عن 26.7 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية لإسرائيل، بينها 21.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية.
كما وضعت هذه المذكرة الأساس للتخلص التدريجي من المساعدات الاقتصادية المقدمة لإسرائيل، مقابل تركيز الدعم على الجانب العسكري.
مذكرة التفاهم الثانية
في عام 2007، اتفقت إدارة جورج دبليو بوش مع الحكومة الإسرائيلية على مذكرة تفاهم ثانية تضمنت حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 30 مليار دولار، غطت الفترة من السنة المالية 2009 إلى 2018.
هذه المرحلة رسخت اعتماد إسرائيل على التمويل العسكري الأمريكي في تحديث قدراتها الدفاعية والهجومية.
مذكرة التفاهم الثالثة
في عام 2016، وخلال إدارة باراك أوباما، وقعت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية مذكرة التفاهم الثالثة، التي تغطي الفترة من السنة المالية 2019 إلى 2028.
وبموجبها، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار، تشمل 33 مليار دولار في صورة منح ضمن برنامج التمويل العسكري الأجنبي، و5 مليارات دولار مخصصة لبرامج الدفاع الصاروخي.
إلغاء ميزة المشتريات الخارجية
تضمنت مذكرة التفاهم الثالثة بندا مهما يتعلق بالإلغاء التدريجي لميزة كانت تتيح لإسرائيل استخدام جزء من المساعدات العسكرية الأمريكية لشراء أسلحة ومعدات من مصادر إسرائيلية محلية.
ومع تراجع هذه الميزة، أصبحت المساعدات الأمريكية أكثر ارتباطا بشراء أنظمة وخدمات من شركات الدفاع الأمريكية، وهو ما جعل المساعدات لا تفيد إسرائيل وحدها، بل تعود أيضا بالنفع على الصناعات العسكرية الأمريكية.
مقترح إسرائيل.. من المساعدات إلى الاستثمار المشترك
بحسب تقرير الكونغرس، فإن نتنياهو ينطلق من رؤية مفادها أن إسرائيل "بلغت مرحلة النضج" ولم تعد بحاجة إلى المساعدات بالطريقة القديمة.
وبدلا من استمرار المساعدات العسكرية التقليدية، تشير تقارير إلى أن نتنياهو يسعى إلى تعزيز الاستثمارات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في مشاريع الدفاع والأمن السيبراني.
تعاون دفاعي خارج مذكرة التفاهم
تدعم مخصصات الميزانية الدفاعية الأمريكية حاليا مجموعة من البرامج الدفاعية المشتركة مع إسرائيل، تشمل الدفاع الصاروخي، ومكافحة الأنفاق، والتصدي للطائرات المسيرة، والتقنيات العسكرية الناشئة.
وبينما يدخل الدعم الأمريكي للدفاع الصاروخي الإسرائيلي، البالغ 500 مليون دولار سنويا، ضمن مذكرة التفاهم الحالية، خصص الكونغرس مبالغ أخرى لبرامج دفاعية تعاونية مع إسرائيل خارج إطار المذكرة.
لماذا يبدو الانفصال العسكري صعبا؟
رغم حديث نتنياهو عن الاستقلال التسليحي، فإن الواقع العسكري يجعل الانفصال الكامل عن الولايات المتحدة شديد الصعوبة.
فمعظم المساعدات العسكرية الأمريكية تمول شراء أنظمة أسلحة وخدمات من شركات دفاع أمريكية، كما أن أسطول الطائرات المقاتلة الإسرائيلي أمريكي الصنع بالكامل تقريبا.
الطائرات الأمريكية وسلاسل الإمداد
تعتمد إسرائيل بصورة كبيرة على الطائرات المقاتلة الأمريكية المتطورة، وهي أنظمة لا يمكن تشغيلها وصيانتها وتحديثها بمعزل عن سلاسل توريد أمريكية طويلة ومعقدة.
كما أن صفقات الطائرات المتقدمة تحتاج إلى جداول زمنية طويلة وتمويل ممتد، سواء عبر المنح الأمريكية أو الأموال الإسرائيلية الخاصة، وهو ما يجعل أي تحول مفاجئ بعيدا عن واشنطن أمرا مكلفا ومعقدا.
الدفاع الصاروخي نقطة اعتماد مركزية
لا يقتصر الاعتماد على الطائرات والذخائر، بل يمتد إلى منظومات الدفاع الصاروخي، التي أصبحت جزءا أساسيا من الأمن الإسرائيلي، خاصة في ظل المواجهات مع إيران وحزب الله وحماس.
وبالتالي، حتى لو تخلصت إسرائيل تدريجيا من برنامج التمويل العسكري الأجنبي، فإنها ستظل بحاجة إلى دعم أمريكي مباشر أو غير مباشر في التكنولوجيا، وقطع الغيار، والتطوير، وسلاسل الإمداد.
ماذا تكسب إسرائيل من تقليل المساعدات؟
قد يمنح تقليل الاعتماد على المساعدات الأمريكية إسرائيل مساحة أكبر في شراء معدات دفاعية من موردين عالميين آخرين، أو تصنيع مزيد من الأسلحة محليا دون قيود مرتبطة ببنود التمويل الأمريكي.
كما يمكن أن يساعد ذلك نتنياهو سياسيا في تقديم صورة إسرائيل كدولة قادرة على الاعتماد على نفسها، خاصة بعد سنوات من الحروب التي أثارت نقاشا داخليا حول ضرورة امتلاك قدرة تصنيع عسكري مستقلة.

وماذا تخسر إسرائيل؟
في المقابل، فإن تقليل المساعدات قد يضع إسرائيل أمام أعباء مالية ضخمة، خصوصا مع ارتفاع تكاليف شراء الطائرات المقاتلة الأمريكية المتطورة، والحاجة إلى الحفاظ على مستوى مرتفع من الإنفاق الدفاعي.
كما أن الابتعاد عن التمويل العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة الابتعاد عن السلاح الأمريكي، لأن معظم البنية العسكرية الإسرائيلية الحديثة مبنية حول أنظمة أمريكية.
الكونجرس والتفوق العسكري النوعي لإسرائيل
تشير السياسة الأمريكية الراسخة، والمقننة في القانون، إلى ضرورة الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في الشرق الأوسط.
وبموجب هذه السياسة، يتعين على الإدارة الأمريكية التأكد من أن تصدير أي معدات دفاعية أمريكية إلى أي دولة في المنطقة بخلاف إسرائيل لن يؤثر سلبا على تفوقها العسكري.
التفوق النوعي أساس العلاقة
هذا البند يجعل العلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب تتجاوز المساعدات السنوية، لأنها تقوم على فلسفة استراتيجية أمريكية ترى أن إسرائيل يجب أن تبقى متقدمة عسكريا على محيطها الإقليمي.
وبالتالي، فإن أي حديث عن إنهاء المساعدات لا يعني نهاية الالتزام الأمريكي بتفوق إسرائيل العسكري.
بعد 7 أكتوبرر.. صفقات بمليارات الدولارات
منذ هجمات 7 أكتوبرر 2023، وافقت الولايات المتحدة على صفقات جديدة بمليارات الدولارات لبيع معدات دفاعية أمريكية لإسرائيل، مولت تل أبيب جزءا منها عبر برنامج التمويل العسكري الأجنبي.
وتشمل بعض هذه الصفقات معدات متطورة وطائرات مقاتلة تحتاج إلى سنوات من التنفيذ والتسليم، ما يعني أن آثار أي مذكرة تفاهم جديدة ستمتد لسنوات طويلة.
الانفصال المستحيل
في النهاية، تبدو فكرة إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ممكنة على الورق، لكنها شديدة التعقيد في الواقع.
فإسرائيل قد تسعى إلى تقليل التبعية، لكنها لا تستطيع بسهولة فك الارتباط مع منظومة سلاح أمريكية تشكل قلب قوتها الجوية والدفاعية.
والولايات المتحدة قد تعيد صياغة الدعم، لكنها لا تبدو مستعدة للتخلي عن واحدة من أهم شراكاتها العسكرية في الشرق الأوسط.
مرحلة جديدة من توزيع الأدوار
تفاوض أمريكا وإسرائيل على مستقبل المساعدات العسكرية لا يعني نهاية التحالف، بل ربما يمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار داخل العلاقة.
قد تتراجع المساعدات المباشرة، وقد يزيد الاستثمار المشترك، وقد تحصل إسرائيل على مساحة أكبر لتطوير صناعتها المحلية، لكن جوهر الشراكة سيبقى قائما.
فالانفصال بين واشنطن وتل أبيب ليس مستحيلا فقط بسبب السياسة، بل لأن السلاح نفسه، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، والدفاع الصاروخي، والطائرات المقاتلة، كلها صنعت علاقة يصعب تفكيكها بقرار واحد.


