نتنياهو وقراءة الميغيلة.. بين الخطاب الديني والرسائل السياسية
أثارت كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مشاركته في قراءة “الميغيلة” (سفر أستير) في أحد المراكز الحاخامية جدلاً واسعًا، بعدما قال: «اليهود أنفسهم سيحكمون على كل كارهيهم».
التصريح جاء في سياق ديني مرتبط بعيد “البوريم”، لكنه في ظل الحرب والتوترات الإقليمية فُسِّر سياسيًا باعتباره رسالة تتجاوز الإطار الروحي، لتلامس واقع الصراع القائم بين إسرائيل والفلسطينيين، والتصعيد العسكري الذي تنفذه قوات الاحتلال في غزة والضفة الغربية.
أولاً: الميغيلة.. نص ديني في زمن الحرب
قراءة الميغيلة تقليد ديني يحيي قصة إنقاذ اليهود من الاضطهاد في العهد الفارسي. لكن عندما يُستدعى هذا النص في أوقات الصراع، تتحول مفرداته إلى أدوات رمزية تحمل أبعادًا سياسية.
في الحالة الحالية، يرى مراقبون أن الربط بين “كارهي اليهود” والواقع العسكري القائم قد يُفهم باعتباره تأطيرًا دينيًا للصراع السياسي، وهو ما يعمّق الاستقطاب ويمنح المواجهة طابعًا هوياتيًا بدلًا من كونها نزاعًا سياسيًا قابلًا للحل.

ثانيًا: هل هناك عنصرية بين اليهود وغيرهم؟
من المهم التفريق بين:
-
اليهود كديانة وشعب متنوع فكريًا وثقافيًا
-
سياسات حكومة إسرائيل الحالية وقواتها العسكرية
الانتقاد السياسي لسياسات حكومة إسرائيل أو لعمليات عسكرية لا يعني بالضرورة تبني خطاب معادٍ لليهود كيهود، وهو خط فاصل دقيق لكنه جوهري.
في المقابل، تتهم منظمات حقوقية دولية قوات الاحتلال بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين، بينما تبرر الحكومة الإسرائيلية عملياتها باعتبارها “دفاعًا عن النفس” في مواجهة تهديدات أمنية.
ثالثًا: خطاب القوة والهوية
التصريحات التي تتحدث عن “الحكم على الكارهين” قد تُقرأ في ثلاثة مستويات:
-
مستوى ديني تقليدي: استدعاء رمزية تاريخية حول النجاة من الاضطهاد.
-
مستوى سياسي تعبوي: توحيد الجبهة الداخلية في زمن الحرب.
-
مستوى استقطابي: تحويل الصراع إلى ثنائية وجودية بين “نحن” و”هم”.
وهنا تكمن الخطورة؛ إذ إن الخطاب الذي يُؤطر الصراع كمعركة هوية قد يغلق الباب أمام الحلول السياسية، ويغذي مشاعر الكراهية المتبادلة.
رابعًا: هل تتحول المواجهة إلى صراع ديني؟
رغم أن جوهر الصراع سياسي – مرتبط بالأرض والحقوق والسيادة – فإن إدخال الرموز الدينية يعيد تشكيل الوعي العام حوله.
التاريخ يُظهر أن النزاعات التي تُلبس ثوبًا دينيًا تصبح أكثر تعقيدًا وأطول أمدًا، لأنها تمس الانتماء والهوية، لا المصالح فحسب.
خامسًا: مسؤولية القيادة في زمن التوتر
القيادات السياسية، خاصة في أوقات الحرب، تتحمل مسؤولية مضاعفة في صياغة خطاب يوازن بين تعبئة الداخل وتجنب إشعال الكراهية.
التصريحات التي قد تُفهم كتبرير مطلق للقوة أو كإضفاء طابع ديني على المواجهة، يمكن أن تزيد الاحتقان الإقليمي والدولي، وتغذي مشاعر العداء بدلًا من تهدئتها.
الفصل بين الهوية الدينية والسياسة العسكرية.
-
ليس كل نقد لسياسات الاحتلال هو عداء لليهود.
-
وليس كل خطاب ديني موجّه في سياق طقوسي خالٍ من الرسائل السياسية.
-
التحدي يكمن في الفصل بين الهوية الدينية والسياسة العسكرية.
إذا استمرت الحرب وترافق ذلك مع تصاعد الخطاب الهوياتي، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الرواية والوجود.


