من يقود الإمارات في المرحلة المقبلة؟ قراءة تحليلية في سيناريوهات الخلافة وتوازنات الاتحاد
تتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية تساؤلات مكثفة حول مستقبل القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل شائعات متداولة بشأن الوضع الصحي لرئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان، وتكهنات غير مؤكدة تتحدث عن تغيرات محتملة في هرم السلطة.
في هذا السياق، تبرز تساؤلات حول مدى صحة هذه الأنباء، وآليات انتقال السلطة داخل الدولة الاتحادية، وإمكانية صعود إمارة أخرى – مثل إمارة الشارقة – إلى موقع القيادة الاتحادية، وتأثير أي تغير محتمل على النهج السياسي الخارجي للإمارات تجاه ملفات عربية حساسة مثل السودان وليبيا واليمن.
أولاً: ما مدى دقة الأنباء المتداولة؟
حتى اللحظة، لا توجد أي بيانات رسمية صادرة عن الجهات الإماراتية تؤكد صحة ما يتم تداوله بشأن تعرض رئيس الدولة لوعكة صحية خطيرة أو دخوله في مرحلة حرجة، كما لم تصدر مؤسسات الدولة أي إشارات توحي بوجود فراغ دستوري أو ترتيبات انتقالية طارئة.
وعليه، فإن ما يُنشر في بعض وسائل الإعلام أو المنصات الإقليمية يظل في إطار التكهنات غير المؤكدة، ويجب التعامل معه بحذر مهني، خاصة في ظل حساسية الموضوع.
كيف يُدار ملف القيادة في الإمارات؟
دولة الإمارات نظام اتحادي يتكون من سبع إمارات، وتُدار شؤون الدولة العليا عبر المجلس الأعلى للاتحاد، الذي يضم حكام الإمارات السبع. ووفق الأعراف السياسية المستقرة منذ تأسيس الاتحاد عام 1971، جرى اختيار حاكم أبوظبي رئيسًا للدولة، بينما يتولى حاكم دبي منصب نائب الرئيس ورئيس مجلس الوزراء.
هذا العرف السياسي ليس منصوصًا عليه حرفيًا في الدستور، لكنه أصبح قاعدة مستقرة منذ عهد زايد بن سلطان آل نهيان.
بالتالي، فإن أي حديث عن انتقال القيادة إلى إمارة أخرى، مثل الشارقة أو غيرها، يتطلب توافقًا كاملاً داخل المجلس الأعلى للاتحاد، وهو أمر غير مسبوق تاريخيًا.

هل يمكن أن تقود الشارقة الإمارات؟
تُعد الشارقة واحدة من أهم الإمارات في البنية الاتحادية، ولها ثقل ثقافي واقتصادي معتبر، غير أن التقاليد السياسية الإماراتية ظلت تحافظ على توازن دقيق بين أبوظبي ودبي في قمة الهرم الاتحادي.
من الناحية الدستورية، يمكن نظريًا انتخاب أي حاكم إمارة لرئاسة الدولة عبر المجلس الأعلى، لكن عمليًا، لم يخرج المنصب منذ تأسيس الاتحاد عن دائرة أبوظبي.
لذلك، فإن الحديث عن "قيادة الشارقة للدولة" يبقى في إطار التحليل النظري أكثر منه احتمالًا سياسيًا وشيكًا.
هل سيتغير النهج الخارجي؟
الإمارات خلال العقد الأخير تبنت سياسة خارجية نشطة في ملفات إقليمية عديدة، منها:
-
الأزمة الليبية
-
الحرب في اليمن
-
الملف السوداني
-
العلاقات مع القوى الدولية الكبرى
أي تغيير في القيادة – إن حدث – لن يعني بالضرورة انقلابًا في النهج، لأن السياسة الخارجية الإماراتية تُدار ضمن مؤسسات أمنية واستراتيجية متكاملة، وليس عبر قرار فردي فقط.
من المرجح أن يستمر الإطار العام للسياسات، مع إمكانية حدوث تعديلات تكتيكية وفقًا للظروف الإقليمية والدولية.
توازنات دقيقة واستقرار مؤسسي
ما يميز النموذج الإماراتي هو وجود بنية مؤسسية قوية، واستقرار اقتصادي وأمني نسبي، يجعل أي انتقال محتمل – إذا وقع – يتم ضمن آليات منظمة تحافظ على الاستمرارية.
كما أن طبيعة النظام الاتحادي تفرض تشاورًا جماعيًا بين حكام الإمارات، وهو ما يقلل من احتمالات الصراع الداخلي أو الانقسامات الحادة.

بين الشائعات والواقع
في بيئة إعلامية متسارعة، تنتشر الأخبار غير المؤكدة بسرعة، لكن القراءة المهنية تقتضي:
-
انتظار البيانات الرسمية.
-
التمييز بين التحليل السياسي والشائعة.
-
عدم الانسياق خلف سيناريوهات غير مستندة إلى مصادر موثوقة.
دولة الإمارات، بحكم تركيبتها الاتحادية، اعتادت إدارة التحولات بهدوء وضمن أطر دستورية واضحة، وهو ما يجعل أي تغيير – إن حدث – يتم ضمن قواعد الاستقرار المؤسسي.


