الاثنين، ١٨ مايو ٢٠٢٦ في ١٢:٠٧ ص

من يشعل الحرب في الخليج؟ هجوم براكة النووية يضع إيران وواشنطن على حافة الانفجار

هجوم قرب منشأة نووية.. والقلق يعود إلى الخليج

عاد التوتر إلى واجهة المشهد في الخليج بعد إعلان الإمارات التعامل مع هجوم بطائرات مسيّرة قرب محطة براكة للطاقة النووية في منطقة الظفرة بأبوظبي، في حادث حساس لا تكمن خطورته فقط في حجم الأضرار، بل في طبيعة الهدف نفسه: منشأة نووية مدنية تقع في قلب منطقة تعيش أصلًا على حافة التصعيد.

وبحسب تقارير دولية، تسبب الهجوم في حريق بمولد كهربائي خارج المحيط الداخلي للمحطة، من دون تسجيل إصابات أو تسرب إشعاعي، بينما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مستويات الإشعاع ظلت ضمن المعدلات الطبيعية. كما أُعلن أن الدفاعات الإماراتية تعاملت مع ثلاث مسيّرات، جرى اعتراض اثنتين منها، فيما أصابت الثالثة محيط المنشأة.

من يشعل الحرب في الخليج؟

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: من يشعل الحرب في الخليج؟
هل هي إيران عبر أدوات ضغط مباشرة أو غير مباشرة؟ أم أن واشنطن وتل أبيب تدفعان المنطقة إلى مواجهة أوسع عبر سياسة التهديد والضغط العسكري؟ أم أن الخليج نفسه أصبح ساحة مفتوحة لحسابات متقاطعة، يدفع ثمنها المدنيون والمنشآت الحيوية وأسواق الطاقة؟

حتى الآن، لم تظهر رواية نهائية قاطعة تحدد المسؤولية الكاملة عن الهجوم. بعض التقارير قالت إن الإمارات تشتبه في إيران أو جماعات مرتبطة بها، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وأنه لم تعلن أي جهة مسؤوليتها بشكل واضح.

وهنا تبدأ خطورة المشهد: في منطقة مشتعلة، قد تكون الواقعة الواحدة كافية لإطلاق موجة ردود فعل أكبر من حجمها، خصوصًا عندما تكون قريبة من منشأة نووية.

                                                                        محطة براكة

 محطة براكة.. لماذا أثار الهجوم كل هذا القلق؟

محطة براكة ليست منشأة عادية في الحسابات الخليجية. فهي أول محطة نووية سلمية في العالم العربي، وتعد عنصرًا مهمًا في استراتيجية الإمارات للطاقة النظيفة. وتقول تقارير دولية إن المحطة قادرة على توفير نسبة كبيرة من احتياجات الإمارات من الكهرباء، ولذلك فإن استهداف محيطها، حتى إن لم يصب قلب المفاعل، يحمل رسالة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

الأخطر أن استهداف منشآت نووية، حتى لو كانت مدنية، يفتح بابًا لا يرغب أحد في عبوره. فالحريق المحدود قد ينتهي دون كارثة، لكن الخطأ التالي قد لا يكون محدودًا، وأي سوء تقدير قرب موقع نووي يمكن أن يحول مواجهة سياسية إلى أزمة إقليمية ذات تبعات دولية.

الرواية الإماراتية.. تصعيد خطير وحق الرد محفوظ

من جانبها، وصفت الإمارات الهجوم بأنه تصعيد خطير، واحتفظت بحقها في الرد وفق ما نقلته تقارير إخبارية. لكنها في الوقت نفسه حرصت على تأكيد عدم وجود تسرب إشعاعي أو إصابات، في محاولة واضحة لمنع الذعر الداخلي والخارجي، ولطمأنة الأسواق والمجتمع الدولي بأن المنشأة لا تزال تحت السيطرة.

هذا التوازن في الخطاب الإماراتي يكشف حساسية اللحظة: أبوظبي تريد إدانة الهجوم بقوة، لكنها لا تريد الظهور وكأنها تدفع المنطقة فورًا إلى حرب مفتوحة.

إيران في دائرة الاتهام.. لكن الجزم يحتاج دليلًا

تدور الاتهامات حول إيران أو وكلائها، خاصة في ظل سجل طويل من التوترات بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الخليج من جهة أخرى. لكن الحياد الصحفي يفرض التمييز بين الاشتباه السياسي والإثبات الرسمي.

حتى الآن، توجد مؤشرات وسياقات تجعل إيران أو جماعات موالية لها في دائرة الاتهام، لكن عدم تبني الهجوم علنًا، واستمرار التحقيقات، يعني أن الجزم النهائي يحتاج إلى بيان رسمي أو أدلة منشورة. وهذا مهم لأن تحميل طرف بعينه المسؤولية قبل اكتمال التحقيق قد يتحول إلى وقود إضافي للحرب.

واشنطن وترامب.. لغة التهديد تزيد الاشتعال

على الجانب الأميركي، خرجت تصريحات وتحذيرات حادة من الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران، وسط تقارير عن بحث خيارات عسكرية واستمرار الضغط على طهران للوصول إلى اتفاق. وذكرت وسائل إعلام أن ترامب حذر إيران من أن الوقت ينفد للتوصل إلى صفقة، في لغة تزيد منسوب التوتر بدلًا من خفضه.

هنا يظهر وجه آخر للسؤال: هل إشعال الحرب يأتي فقط من الطائرات المسيّرة؟ أم أيضًا من التصريحات القصوى، والتهديدات المفتوحة، والرهان على الحسم العسكري بدلًا من الحل السياسي؟

الحرب لا تبدأ دائمًا بصاروخ؛ أحيانًا تبدأ بتراكم الرسائل المتبادلة، ثم تأتي شرارة واحدة لتدفع الجميع إلى حافة الهاوية.

إسرائيل والملف الإيراني.. ظل ثقيل فوق الخليج

لا يمكن فصل أي تصعيد في الخليج عن الصراع الأكبر حول البرنامج النووي الإيراني، ودور إسرائيل في الضغط العسكري والسياسي على طهران. فكل ضربة قريبة من منشأة استراتيجية، وكل تهديد أميركي، وكل تحرك إيراني، يُقرأ داخل منظومة أوسع من الصراع: النووي، النفوذ الإقليمي، أمن الطاقة، وحماية القواعد والممرات البحرية.

وتشير تقارير إلى أن الهجوم جاء في ظل جمود في مسارات التهدئة، ومخاوف من عودة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أو توسعها عبر ساحات متعددة.

الخليج بين النارين.. أمن الطاقة أم ساحة تصفية حسابات؟

دول الخليج تقف في موقع شديد التعقيد. فهي ليست بالضرورة الطرف الذي بدأ التصعيد، لكنها قد تكون الساحة التي تُدار عليها المواجهة. منشآت الطاقة، الموانئ، القواعد العسكرية، الممرات البحرية، وحتى المنشآت النووية المدنية، كلها أهداف حساسة في أي صراع إقليمي.

ولهذا فإن أي هجوم قرب محطة براكة لا يخص الإمارات وحدها، بل يمس أمن الخليج كله، وربما أمن الطاقة العالمي. فمجرد اهتزاز الثقة في سلامة المنشآت الحيوية يمكن أن ينعكس على الأسواق، وعلى حسابات شركات التأمين والنقل والطاقة.

هل نحن أمام حرب شاملة؟

حتى الآن، لا يمكن القول إن الحرب الشاملة أصبحت حتمية. لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة خطرة من حرب الأعصاب: هجمات محدودة، تصريحات متصاعدة، اتهامات متبادلة، وتحركات عسكرية لا تترك مساحة كبيرة للخطأ.

الخطر الأكبر ليس فقط في نية الأطراف، بل في سوء الحساب. فطرف قد يرسل مسيّرة للضغط السياسي، وآخر قد يرد بضربة أوسع، وثالث قد يرى في الرد فرصة لتصفية حساب قديم. وهكذا تتحول الضربة المحدودة إلى سلسلة مفتوحة من التصعيد.

من المستفيد من إشعال الخليج؟

السؤال الأعمق ليس فقط: من نفذ الهجوم؟ بل: من يستفيد من بقاء الخليج مشتعلًا؟

هناك أطراف قد ترى في التصعيد وسيلة لفرض شروط تفاوضية أفضل. وهناك أطراف قد تستخدم الخطر الإيراني لتبرير تحالفات وتسليح وضربات استباقية. وهناك جماعات مسلحة قد تسعى لإثبات أنها لا تزال قادرة على تهديد البنية الحيوية. وفي المقابل، قد ترى إيران أن الضغط على حلفاء واشنطن وسيلة للرد غير المباشر على العقوبات أو الضربات أو التهديدات.

لكن النتيجة واحدة: الخليج يدفع الثمن، والمنطقة تقترب من نقطة يصبح فيها إطفاء النار أصعب من إشعالها.

الحياد لا يعني تجاهل الخطر

القراءة الحيادية لا تعني مساواة كاملة بين كل الأطراف، ولا تعني تبرئة أحد. لكنها تعني أن الاتهام يحتاج دليلًا، وأن الرد يحتاج عقلًا، وأن المنشآت النووية والمدنية يجب أن تبقى خارج دائرة الاستهداف مهما كانت الحسابات.

إذا ثبت تورط إيران أو وكلائها، فسيكون ذلك تصعيدًا خطيرًا ضد منشأة مدنية حساسة. وإذا استُخدم الهجوم ذريعة لتوسيع الحرب دون تحقيق شفاف، فستكون المنطقة أمام مخاطرة أكبر. وفي الحالتين، يبقى المطلوب تحقيق واضح، وضغط دولي لمنع استهداف المنشآت النووية، وقنوات تفاوض تمنع الانزلاق إلى حرب لا يعرف أحد كيف تنتهي.

مطلوب مسار تهدئة حقيقي يمنع تحويل الخليج إلى ساحة مفتوحة بين إيران وواشنطن وتل أبيب

عنوان الأزمة اليوم ليس فقط الهجوم على محيط محطة براكة، بل سؤال أكبر: من يشعل الحرب في الخليج؟
الطائرات المسيّرة تشعل النار ميدانيًا، والتصريحات الحادة تشعلها سياسيًا، والتحالفات المتوترة تجعل كل حادث قابلًا للانفجار.

المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الاستعراض العسكري، بل إلى تحقيق شفاف، وضمانات لحماية المنشآت المدنية، ومسار تهدئة حقيقي يمنع تحويل الخليج إلى ساحة مفتوحة بين إيران وواشنطن وتل أبيب. فالحرب إذا اشتعلت بالكامل، لن تبقى داخل حدود طرف واحد، ولن يدفع ثمنها من أشعلها وحده.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.