الخميس، ٨ يناير ٢٠٢٦ في ٠١:٤٤ ص

من يدير غزة في المرحلة القادمة؟ وما هي ملامح وسيناريوهات الإدارة المنتظرة

بوابة الصباح اليوم

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، ومع اقتراب تثبيت ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، يتصدر سؤال «من يحكم غزة؟» المشهد السياسي والدبلوماسي باعتباره أحد أعقد ملفات الشرق الأوسط وأكثرها حساسية. فغزة لم تعد مجرد ساحة صراع عسكري، بل تحولت إلى اختبار دولي لإعادة هندسة السلطة، وضبط الأمن، وإعادة الإعمار، ومنع تكرار الانفجار.

غزة بعد الحرب.. فراغ سياسي ومخاوف الانفلات

أفرزت الحرب واقعًا جديدًا في القطاع، يتمثل في دمار واسع للبنية التحتية، وانهيار شبه كامل للمنظومة الخدمية، إلى جانب تآكل الهياكل الإدارية القائمة. هذا الواقع خلق فراغًا سياسيًا وإداريًا لا يمكن تركه دون بديل، خشية الانزلاق إلى الفوضى أو إعادة إنتاج الصراع بشكل أعنف.

من هنا، تحركت العواصم الكبرى لبحث سيناريوهات الإدارة الانتقالية، وسط توافق عام على استبعاد الحلول الأحادية أو العسكرية المباشرة، لصالح صيغ أكثر تعقيدًا تجمع بين الإشراف الدولي والإدارة المحلية.

                    Gaza before and after: Satellite images show destruction

السيناريو الأول: إدارة فلسطينية تكنوقراطية بدعم دولي

يُعد هذا السيناريو الأكثر تداولًا في الأروقة الدبلوماسية، ويقوم على تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية تضم شخصيات غير فصائلية، تتولى إدارة الشؤون اليومية للقطاع، بدعم سياسي ومالي وأمني دولي.

ملامح هذا السيناريو:

  • إدارة مدنية غير مسلحة.

  • تركيز على الخدمات، الإغاثة، وإعادة الإعمار.

  • إشراف دولي لضمان الشفافية ومنع الانحراف السياسي.

  • تمهيد لعودة غزة إلى الإطار الفلسطيني العام دون فرض حلول قسرية.

هذا الطرح يحظى بقبول أطراف عربية ودولية، خاصة إذا جاء ضمن مسار سياسي أوسع يعيد إحياء حل الدولتين.

         PM: Egypt ready to host international conference on Gaza ...

السيناريو الثاني: مجلس دولي أو إقليمي لإدارة غزة

يتضمن هذا السيناريو تشكيل مجلس إدارة أو مجلس سلام دولي يضم قوى كبرى ودولًا إقليمية فاعلة، يتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة، بما يشمل:

  • الأمن وإعادة الانتشار.

  • إعادة الإعمار.

  • تنظيم الحياة السياسية والإدارية.

  • الإعداد لمرحلة حكم فلسطيني مستقر.

ويُطرح هذا السيناريو باعتباره حلًا مؤقتًا، يهدف إلى منع الانهيار الشامل، لكنه يثير في المقابل مخاوف فلسطينية من المساس بالسيادة أو فرض وصاية طويلة الأمد.

السيناريو الثالث: إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة

رغم أنه خيار نظري مطروح، إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، أبرزها:

  • ضعف البنية التنظيمية للسلطة داخل القطاع.

  • الحاجة إلى توافق فلسطيني داخلي شامل.

  • اشتراطات أمنية معقدة تفرضها أطراف إقليمية ودولية.

ومع ذلك، ترى بعض الأطراف أن هذا المسار هو الأكثر شرعية على المدى الطويل، إذا توافرت له ضمانات سياسية واقتصادية حقيقية.

السيناريو الرابع: إدارة أمنية مقنّعة

وهو السيناريو الأكثر إثارة للجدل، إذ يقوم على فرض إدارة أمنية غير معلنة، سواء عبر أطراف محلية مدعومة خارجيًا أو عبر ترتيبات أمنية مشددة دون إعلان وصاية رسمية.

هذا الخيار يُقابل برفض واسع، كونه يعيد إنتاج منطق السيطرة بالقوة، ويهدد بتفجير الأوضاع مجددًا.

الدور الإقليمي والدولي

تلعب دول مثل مصر وقطر والسعودية أدوارًا محورية في بلورة ملامح المرحلة المقبلة، سواء عبر الوساطة السياسية أو الدعم الإنساني أو إعادة الإعمار. كما تبقى الولايات المتحدة لاعبًا مركزيًا في رسم الإطار العام، في ظل تقاطعات مع المواقف الأوروبية والأممية.

 غزة بين الانتقال والحسم

إدارة غزة في المرحلة القادمة لن تكون قرارًا تقنيًا، بل معركة سياسية بامتياز، تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية والحقوق الفلسطينية. والنجاح الحقيقي لأي سيناريو مرهون بثلاثة عناصر حاسمة:

  1. قبول فلسطيني داخلي.

  2. ضمانات دولية حقيقية لا شكلية.

  3. أفق سياسي واضح يمنع تحويل المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة.

حتى ذلك الحين، ستظل غزة في قلب اختبار الإرادة الدولية: هل يتجه العالم نحو إدارة تُنقذ القطاع وتفتح أفق السلام، أم يعيد تدوير الأزمة بصيغ جديدة؟