الأحد، ١ مارس ٢٠٢٦ في ١١:٤٩ م

من كيسنجر إلى نتنياهو.. هل يُعاد رسم خريطة الشرق الأوسط تحت شعار “الشرق الأوسط الجديد”؟

بين “الشرق الأوسط الجديد” وتصريحات كيسنجر.. هل نحن أمام إعادة إنتاج لرؤية قديمة أم صناعة رواية سياسية؟

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في المنطقة، تعود إلى الواجهة تصريحات منسوبة إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر حول “احتلال سبع دول” وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بالتزامن مع حديث متكرر عن “شرق أوسط جديد” يطرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتصريحات صادرة عن السفير الأمريكي في إسرائيل تؤكد أن المنطقة تمر بـ”مرحلة إعادة صياغة استراتيجية”.

هذا التزامن بين الماضي والحاضر يفتح الباب لتحليل سياسي أعمق: هل هناك بالفعل مشروع تاريخي ممتد لإعادة هندسة الشرق الأوسط؟ أم أن الأمر يتعلق بتقاطعات ظرفية بين الخطاب السياسي والواقع الميداني؟


كيسنجر.. مدرسة الواقعية السياسية

شغل كيسنجر منصب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون بين عامي 1969 و1977، وكان أحد أبرز منظّري “الواقعية السياسية” التي تقوم على:

  • توازن القوى

  • إدارة الصراعات بدل إنهائها جذريًا

  • توظيف الأزمات لتحقيق استقرار يخدم المصالح الاستراتيجية

بعد حرب أكتوبر 1973، قاد كيسنجر ما عُرف بسياسة “الخطوة خطوة”، التي أعادت ترتيب موازين القوى في المنطقة دون إعلان مشاريع كبرى لإعادة رسم الحدود.

ورغم انتشار عبارات منسوبة إليه مثل “لا بد من احتلال سبع دول في الشرق الأوسط”، فإن هذه العبارات لم تُوثق رسميًا في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية أو في مذكراته المنشورة مثل كتابه “Years of Upheaval” الصادر عام 1982.


“الشرق الأوسط الجديد”.. من رايس إلى نتنياهو

مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” لم يولد اليوم. فقد استخدمته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عام 2006 خلال حرب لبنان، في إشارة إلى تحولات جيوسياسية كبرى.

اليوم، يعيد نتنياهو استخدام المفهوم في سياق مختلف، متحدثًا عن:

  • إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية

  • تحالفات جديدة

  • كسر نفوذ قوى إقليمية منافسة

التصريحات الأخيرة المنسوبة للسفير الأمريكي في إسرائيل تتقاطع مع هذا الطرح، إذ تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد تصعيد عسكري، بل “لحظة إعادة ترتيب استراتيجي”.


هل هناك خيط ممتد بين كيسنجر واليوم؟

سياسيًا، يمكن قراءة المشهد عبر مستويين:

مستوى الخطاب

الخطاب الأمريكي والإسرائيلي الحالي يتحدث عن:

  • تغيير قواعد اللعبة

  • إنهاء مرحلة قديمة

  • بناء نظام إقليمي مختلف

وهذا يتقاطع نظريًا مع رؤية كيسنجر التي كانت ترى أن الشرق الأوسط منطقة قابلة لإعادة التوازن عبر إدارة الأزمات.

 مستوى التوثيق

لكن الفارق الجوهري أن كيسنجر لم يُعلن – وفق وثائق موثقة – خطة مباشرة لاحتلال سبع دول، بينما الخطاب المعاصر يتحدث عن “إعادة تشكيل” دون إعلان صريح عن مشاريع احتلال تقليدية.


لماذا تُستحضر تصريحات كيسنجر الآن؟

عودة الصورة القديمة في هذا التوقيت لها دلالات سياسية:

  • تصاعد المواجهة مع إيران

  • حديث متكرر عن حرب إقليمية أوسع

  • مخاوف من تدخلات دولية كبرى

الرأي العام يميل إلى البحث عن “خطة مسبقة” تفسر الأحداث المتسارعة، فيتم استدعاء تصريحات قديمة – موثقة أو غير موثقة – لإضفاء معنى استراتيجي شامل على ما يحدث.


الفرق بين “إعادة التشكيل” و”الاحتلال”

في المدرسة الكيسنجرية، كان الهدف هو:

إعادة توزيع النفوذ ضمن نظام دولي قائم

أما في الخطاب المعاصر حول “شرق أوسط جديد”، فالتعبير يوحي أحيانًا بـ:

تغيير جذري في البنية السياسية والأمنية للمنطقة

لكن حتى الآن، لا توجد وثيقة رسمية تعلن خطة أمريكية أو إسرائيلية لاحتلال سبع دول كما يُتداول في بعض الروايات الشعبية.

قراءة تحليلية للمشهد الراهن

السيناريو الأقرب سياسيًا ليس “خطة احتلال تقليدية”، بل:

  • تفكيك منظومات نفوذ

  • إعادة صياغة التحالفات

  • فرض ترتيبات أمنية جديدة

وهذا ينسجم مع فلسفة توازن القوى التي دافع عنها كيسنجر، لكن دون تبني النصوص المتداولة حرفيًا.


الشرق الأوسط الجديد

  • تصريحات “احتلال سبع دول” المنسوبة إلى هنري كيسنجر غير موثقة رسميًا.

  • مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” حاضر في الخطاب الأمريكي والإسرائيلي المعاصر.

  • هناك تقاطع فكري بين الواقعية الكيسنجرية الحالية وإعادة التشكيل الجيوسياسي.

  • لا توجد حتى الآن وثائق معلنة تؤكد وجود خطة احتلال مباشرة كما يتم تداوله.

ما يحدث اليوم قد يكون إعادة إنتاج لرؤية قديمة بلغة جديدة، أو مجرد تفاعل ظرفي مع واقع إقليمي متفجر. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة تحولات عميقة، تتجاوز حدود الخطاب الإعلامي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.