السبت، ٢٣ مايو ٢٠٢٦ في ٠٥:١٣ م

«ممرض الموت».. حقيقة القصة الصادمة التي نُسبت إلى الإسكندرية وأشعلت الغضب

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية قصة صادمة تزعم القبض على مساعد تمريض في الإسكندرية بعد اتهامه بإيقاف الأكسجين عن بعض المرضى مقابل الحصول على عمولات من شركات دفن الموتى. القصة بدت كأنها مشهد من فيلم رعب، لكنها انتشرت بسرعة لأنها تلامس أكثر نقاط الخوف لدى المواطنين: أن يتحول المكان الذي نلجأ إليه لإنقاذ الأرواح إلى ساحة استغلال للمريض وأسرته. غير أن البحث في المصادر المفتوحة لم يُظهر حتى الآن خبرًا موثقًا من جهة رسمية مصرية أو وسيلة إعلام محلية موثوقة يؤكد وقوع هذه الجريمة في الإسكندرية، بينما تشير آثار القصة المنتشرة إلى أنها أقرب لإعادة تدوير قضية برازيلية قديمة عُرفت إعلاميًا باسم «ممرض الموت».

هل وقعت جريمة مساعد التمريض في الإسكندرية؟

حتى الآن، لا توجد نتيجة موثوقة تؤكد أن الأجهزة الأمنية في الإسكندرية أعلنت القبض على مساعد تمريض بهذه التهمة. النتائج المتاحة على البحث تظهر منشورات متداولة على فيسبوك وثريدز وإنستجرام بصيغ متشابهة جدًا، تتحدث عن “مساعد تمريض يفصل الأكسجين عن المرضى لصالح شركات دفن الموتى مقابل عمولة”، لكنها لا تقدم اسم مستشفى، أو رقم محضر، أو بيانًا رسميًا، أو مصدرًا صحفيًا واضحًا يمكن الاستناد إليه.

ولهذا، فإن التعامل المهني مع القصة يقتضي نشرها بوصفها رواية متداولة تحتاج إلى تحقق، لا كواقعة مؤكدة في الإسكندرية. فالفارق هنا مهم جدًا، لأن اتهام شخص أو منشأة طبية بهذه الجريمة دون مصدر رسمي قد يعرّض ناشر الخبر للمساءلة، فضلًا عن أنه يخلط بين الغضب المشروع من الفكرة وبين الحقيقة الصحفية الموثقة.

الخيط الأقرب.. قضية «ممرض الموت» في البرازيل

القصة المتداولة تشبه إلى حد كبير قضية قديمة في البرازيل تعود إلى عام 1999، بطلها مساعد تمريض برازيلي يُدعى إدسون إيزيدورو غيماريش، عُرف إعلاميًا باسم The Nurse of Death أو “ممرض الموت”. تشير مصادر تلخص القضية إلى أنه عمل في مستشفى سالجادو فيلهو بمدينة ريو دي جانيرو، واتُهم بقتل مرضى عبر إزالة أقنعة الأكسجين أو حقن مواد قاتلة، كما أُدين لاحقًا في عدة جرائم قتل.

وبحسب تلك المصادر، فقد أُلقي القبض عليه في مايو 1999 بعدما شاهده عامل بالمستشفى يحقن مريضًا في غيبوبة بمادة قاتلة، ثم كشفت التحقيقات ارتفاعًا غير طبيعي في معدل الوفيات أثناء نوباته. كما تذكر المصادر نفسها أنه اعترف بعدد من الوقائع، بينما دارت الشبهات حول عدد أكبر بكثير من الضحايا.

عمولات شركات دفن الموتى.. أين دخل المال في القصة؟

الجانب الأكثر إثارة في القضية البرازيلية أن أحد الدوافع المحتملة كان حصول المتهم على أموال مقابل إبلاغ شركات دفن الموتى بوفاة المرضى بسرعة، حتى تتواصل تلك الشركات مع أسر المتوفين. وتذكر بعض المصادر أن قيمة العمولة كانت تقارب 60 دولارًا عن كل حالة، وهو ما جعل القصة تتحول من مجرد جريمة داخل مستشفى إلى ملف أخلاقي مرعب حول استغلال الموت نفسه في تجارة سوداء.

وهنا يظهر التشابه الكبير بين القصة البرازيلية والرواية المتداولة عربيًا عن الإسكندرية: مريض على جهاز أكسجين، مساعد تمريض، شركات دفن، عمولات، وغضب شعبي واسع. لكن التشابه لا يكفي لإثبات أن الواقعة حدثت في مصر، بل قد يكون دليلًا على أن القصة القديمة أُعيدت صياغتها ببيئة محلية لزيادة انتشارها.

غضب السوشيال ميديا.. لماذا صدّق الناس القصة بسرعة؟

القصة انتشرت لأنها تضرب في منطقة حساسة جدًا: الخوف من غياب الرقابة داخل المنشآت الطبية. كثير من الأسر تدخل المستشفى وهي في أضعف لحظاتها، تبحث عن سرير أو أسطوانة أكسجين أو طبيب ينقذ عزيزًا لديها. لذلك، عندما تنتشر رواية عن شخص يستغل هذه اللحظة ويحوّل المرض إلى وسيلة ربح، يتضاعف الغضب والصدمة.

لكن خطورة السوشيال ميديا أنها أحيانًا تخلط بين القصة الحقيقية والقصة المعاد تدويرها. فكلما كان الادعاء صادمًا، زادت قابليته للانتشار، حتى لو لم يحمل دليلًا كافيًا. ولهذا يجب ألا يتحول الغضب من واقعة محتملة إلى نشر اتهامات قاطعة دون تحقق.

ماذا تكشف القصة حتى لو لم تقع في الإسكندرية؟

حتى مع غياب الدليل على وقوعها محليًا، تظل القصة جرس إنذار مهمًا حول ضرورة تشديد الرقابة داخل المستشفيات ودور الرعاية، خصوصًا في أقسام الحالات الحرجة والعناية المركزة، حيث يكون المريض غير قادر على الدفاع عن نفسه أو حتى الإبلاغ عما يحدث له.

كما تفتح القصة بابًا مهمًا حول تنظيم العلاقة بين المستشفيات وشركات نقل ودفن الموتى، ومنع أي مصالح خفية أو عمولات غير معلنة قد تستغل لحظة وفاة المريض وحالة الانهيار التي تعيشها أسرته.

أين يجب أن تتجه الرقابة؟

الرقابة لا تعني التشكيك في القطاع الصحي كله، فآلاف الأطباء والممرضين يعملون يوميًا تحت ضغط كبير لإنقاذ الأرواح. لكنها تعني حماية المرضى وحماية الشرفاء داخل المهنة أيضًا. ويجب أن تشمل الرقابة متابعة الكاميرات في الأماكن المسموح بها قانونيًا، وتوثيق التعامل مع أجهزة الأكسجين، ومراجعة سجلات الوفاة، والتأكد من عدم وجود أي علاقة مالية مباشرة أو غير مباشرة بين العاملين داخل المستشفيات وشركات خدمات الدفن.

كما يجب أن تكون هناك آلية واضحة لتلقي شكاوى الأسر، وفحصها بسرعة، خاصة في الحالات التي تشهد وفاة مفاجئة أو ظروفًا غير مفهومة.

خلاصة التحقيق الصحفي

القصة المتداولة عن مساعد تمريض في الإسكندرية أوقف الأكسجين عن المرضى مقابل عمولات من شركات دفن الموتى لم نجد لها حتى الآن مصدرًا رسميًا أو خبرًا محليًا موثوقًا يؤكدها. لكن القصة تشبه بدرجة كبيرة قضية برازيلية قديمة تخص إدسون إيزيدورو غيماريش، الذي عُرف باسم “ممرض الموت”، واتُهم بقتل مرضى داخل مستشفى في ريو دي جانيرو، مع شبهة حصوله على أموال من شركات دفن مقابل إبلاغها بحالات الوفاة.

إعادة تدوير لقضية أجنبية

القصة صادمة، سواء كانت شائعة محلية أو إعادة تدوير لقضية أجنبية، لأنها تكشف عن خوف إنساني عميق: ماذا لو غاب الضمير في مكان يُفترض أنه آخر مساحة للنجاة؟ لكن الصحافة لا تكتفي بالصدمة، بل تبحث عن الدليل. وحتى صدور بيان رسمي أو ظهور مصدر موثوق، يجب التعامل مع قصة الإسكندرية كمنشور متداول غير مؤكد، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الرقابة داخل المنشآت الطبية ليست رفاهية، بل ضمانة حياة.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.